ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ
« 1 » ، وقوله :
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ
« 2 » .
وبالجملة قد أشكل الامر في معنى الآية على جمهور أهل النظر وتشبث الأكثرون كالفخر الرازي والزمخشري وغيرهما كما هو عادتهم بذيل القول بالفاعل المختار ونفي المرجح والداعي .
ونحن قد أوردنا في تفسيرنا لهذه السّورة لتحقيق هذه الآية لمعة مما يشفي عليل السالكين وجرعة من ماء يروي العطاش الطالبين ، وخلاصة المذكور هناك إنّا نمهّد أولا مقدمة هي : انّ ما أنشأ اللّه تعالى بحكمته الكاملة أو خلقه بقدرته التامة لا يخلو عن قسمين :
اما طبيعية جسمانية أو أمور إلهية روحانية .
اما الأمور الطبيعية فحدوثها كبقائها لا يكون الا على سبيل التجدد والتدريج ، لان المعنيّ بالطبيعي هو ما يصدر عن الطبيعة بتسخير اللّه إياها وتقديره ، وهي بما هي طبيعته ليست حقيقتها الا منشأ الحركة وسائر الاستحالات ومقابلاتها من السكون ، فجوهرها جوهر الحدوث والتجدد والتقضي والتصرم ؛ وما اشتهر أن الحركة لا تكون في مقولة الجوهر مجرّد دعوى لا يقوم عليه دليل فضلا عن برهان ، والمتّبع في هذه الأصول هي البرهان ، ونحن أوردنا عدة من البراهين في رسالة الحدوث على اثبات الاستحالة والحركة في الجواهر الطبيعية ويؤيده الآيات القرآنيّة كقوله :
بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
« 3 » ، وقوله :
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
« 4 » ، وغيرهما .
فالطبيعة التي هي الصورة النوعية وأصل الجواهر الجسمانية فإذا تجدّدت تجدّدت الهيولي والاعراض لأنها تابعة والنفس ما دامت متعلقة بالبدن الطبيعي حكمها حكم الطبيعة في التجدد ، والكليات الطبيعية ، اعني الماهيات ، لا وجود لها الا بعين الاشخاص .
فاذن ثبت وتحقق ان وجود العالم الجسماني ، فلكيا كان أو عنصريا ، تدريجي الوجود .
واما الأمور الربانية والأشعة الإلهية فهي من مراتب علمه الأزلي وكلمات اللّه
هامش
( 1 ) - لقمان 28 .
( 2 ) - القمر 50 .
( 3 ) - ق 15 .
( 4 ) - النمل 88 .