ثم رجع إلى نفي المثالب عنه تعالى تأكيدا لما سبق وتوضيحا فقال : ولا يحدّ ، لان الحدّ انما يكون لما له جزء فيحد باجزائه ، وليس هو كذلك ، ولذا قال عقيبه : ولا يبغض ، اي لا في الخارج ولا بحسب الذهن ، وقال : ولا يفني ، لمنافاته وجوب الوجود ولاستلزامه التركيب والتبعيض « 1 » لان كل ما له قوة ان يفنى وفعل أن يبقى ففيه قوة ان يبقى وفعل ان يبقى ، واجتماع القوة والفعل في ذات واحدة بالقياس إلى امر واحد يوجب التركيب الخارجي من المادة والصّورة ، ولهذا قالت الحكماء : ان المفارق عن المادة غير قابل للفناء ، فضلا عن إله الكل الذي لا جزء له أصلا بوجه من الوجوه .
ثم قال : كان أوّلا بلا كيف ويكون آخرا بلا اين ، لما كانت أوليته وآخريته بنفس ذاته الأحدية ، فاوّليته عين اخريته بلا صفة زائدة ، واخريته عين أوليته بلا استيجاب ، كما في الأشياء المتأخرة الوجود عن غيرها ، فانّها لا ينفك وجودها عن الأين والمكان .
الفائدة السادسة قوله :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
، الإشارة فيه : ان وجودات الممكنات لما كانت بمنزلة أشعة واظلال لوجوده تعالى فإذا قطع النظر عن ارتباطها إليه وتعلقها به إلى ذواتها لم يبق لها الا الهلاك والبطلان ، فليس الباقي من كل الا وجهه الكريم ، وإذ وجوداتها وجود تعلقي وهوياتها هويات تعلقية استنارية ، فوجود الخلق والامر له تبارك وتعالى ، لأنه رب العالمين وآله السماوات والأرضين ، ولا حول ولا قوة الا باللّه العلي العظيم .
ثم رجع إلى السائل بالتقريع والتوبيخ على سؤاله والإشارة إلى ما يلزمه ، فقال : ويلك أيها السائل ان ربّي لا يغشاه الأوهام ولا ينزل به الشبهات . . . إلى اخر كلامه ، يعني ان الذي صح له ان يقال متى كان ومتى يكون فمن شأنه لكونه متعلقا بالزمان والمكان مقترنا بالمادة والأكوان ان يلبسه الأوهام وينزل به الشكوك والشّبهات ، وان يختص وجوده بالمجاورة لشيء ومجاوزة شيء عنه ونزول الاحداث به ، والسؤال عن أشياء لا يعلمها والنّدم على شيء يفعلها ، لأنه لتعلقه بالمواد الجسمانية غير برئ من الجهل في القول والخطاء في العمل ، وكذا عن السنة والنوم ، فيأخذ هذه الحالات ويعتريه هذه النقائص والانفعالات .
هامش
( 1 ) - والتبعض - م .