اللّهمَّ إلّاأن يُقال : إنّ الحمد على الصفات الذاتيّة مدرجٌ في قوله عليه السلام : « بكلّ ما حمده به أدنى ملائكته إليه . . . » إلى آخره .
والغرض فيما بعدَ ثمّ استغراقُ النِّعم المحمود عليها - سواءً كانت واصلةً إلى الحامد أو غير الحامد - لا استغراق مطلق المحمود عليه .
وليعلم أنّ كلّ فعلٍ منه تعالى محمودٌ عليه ؛ لأنّ أصل الإيجاد الذي هو بحرٌ فراتٌ سائغٌ شرابه نعمةٌ جليلة ، تشعّبت منها عامّة أنهار النِّعم والآلام وإن كانت في عداد الضرر ، إلّاأنّها على المؤمن ممّا يرفع اللَّه به شأنه ، أو يدفع به ما شانَه ، كسقي الطبيب الشفيق الأدوية المرّة البَشِعَة « 1 » لحفظ الصحّة أو إزالة المرض ؛ فهي إذَن نعمة .
وأمّا آلآم الكفّار فهي تفريح للمؤمن وشفاء لغيظه ؛ ولذا قال قدوة العارفين أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة من خطب نهج البلاغة : « نَحْمَدُه على ما أخَذَ وأعطى ، وعلى ما أبْلى وابْتَلى » « 2 » .
وفي خطبةٍ أخرى : « أحْمَدُ اللَّهَ على ما قَضى من أمْرٍ ، وقَدَّرَ من فِعْلٍ ، وعلى ابتلائي بكم » « 3 » .
وقال تعالى :
« قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ »
« 4 » .
وقد جرى على لساني من بركات علومهم عليهم السلام ما في القصيدة اللاميّة التي قلت فيهم ( شعر ) :
أتحسب الضُرّ ليست فيه منفعةٌ * حاشاه حاشاه ما هذا بمحتمل
هذا اجاجٌ ولكن عند ذي سقمٍ * من صحّ كان له أحلى من العسل
صحّح مزاجك إن شئت التلذّذ من * طعم النوائب والأسقام والعلل
مزاج نفسك لا النفس التي اشتركت * فيها البهائم ذات النهق والصهل
هامش
( 1 ) . البَشِع : الخشن من الطعام وكريه الطعم منه . لسان العرب ، ج 8 ، ص 11 ( بشع ) .
( 2 ) . نهج البلاغة ، ص 190 ، الخطبة 132 .
( 3 ) . نهج البلاغة ، ص 258 ، الخطبة 180 .
( 4 ) . التوبة ( 9 ) : 14 و 15 .