اللَّه العزميّةَ التكليفيّةَ ، فهي إنّما صارت مغلوبةً لمشيّة إبراهيم - أي تحقّق متعلّق هذه دون متعلّق تلك - من جهة المشيّة الأخرى الحتميّة ، فمثل هذه المغلوبيّةً ليست مغلوبيّة منافية لسلطان اللَّه تعالى ، بل هي محقّقة له .
وكذا الأمر في نهي آدم ومخالفته ؛ فبطل قول المفوّضة الزاعمين للاستقلال بعد الإقدار بتوهّم أنّه لولاه لما غلب مشيّة العاصي مشيّةَ اللَّه ، فسبحان الذي لا رادّ لمشيّته ، ولا معقّب لحكمه ، ولا حول ولا قوّة إلّابه ، له الخلق والأمر ، وإليه يرجع الأمر كلّه .
وهذا الحلّ قد يسّر اللَّه تعالى بمعونة مفاوَضَة بعض الألبّاء المشتغلين إليّ ، ولعمري إنّ هذا الحديث الشريف وأمثاله من الآيات البيّنات على إمامة أئمّتنا عليهم السلام وغزارة علمهم ، والعجب ممّن عدّها من المتشابهات وممّن حملها على التقيّة ، زاعماً أنّها موافقة لمذهب الأشعريّة ، كلّا إن هو إلّاكذبٌ مفترى ، فتدبّر وتبصّر ، ثمّ كُن للَّهمن الشاكرين .
[ باب السعادة والشقاء ]
قوله : ( مِنْ أيْنَ لَحِقَ الشقاءُ أهلَ المعصيةِ ) ، إلى آخره . [ ح 2 / 396 ]
في التوحيد : « علم اللَّه عزّوجلّ أن لا يقوم أحدٌ من خلقه بحقّه ، فلمّا علم بذلك وهب » إلى آخره .
وفيه : « ولم يمنعهم إطاقة القبول منه ؛ لأنّ علمه أولى بحقيقة التصديق ، فوافقوا ما سبق لهم في علمه وإن قدروا أن يؤتوا خِلالًا تُنجيهم عن معصيته ، وهو معنى شاء ما شاء وهو سرّ » « 1 » فليتدبّر .
ثمّ إنّ غرض السائل أنّا نعلم أنّ عمل أهل الشقاء هو الموجب لعذابهم ؛
« وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ »
« 2 » ، وأنّ الحكم في علمه تعالى لهم بالعذاب تابع لشقائهم ، ولا نعلم من أين لحقهم الشقاء ؟
وحاصل الجواب : أنّ الشقاء لهم من ذواتهم الشخصيّة ، واتّضاح ذلك بعد ذكر أصول :
هامش
( 1 ) . التوحيد ، ص 354 ، ح 1 .
( 2 ) . العنكبوت ( 29 ) : 40 .