أعظم من أن يوصف بها ، فكلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه مخلوق مثلكم مردود إليكم ، فالقابل بالبيّنة مع امتناعها في نفسها إنّما يحكم حسب ما يتصوّره ، وكذا القابل بالرحمة إنّما يثبت له ما يثبت لنفسه ؛ فتعالى اللَّه عمّا يشركون .
ويُحتمل أن يعود الضمير إلى المفعول ، أي إنّ تنازع الأوهام والتخيّلات إنّما تنتهي إلى العقول ؛ إذ الوهم إنّما يكون في حكم العقل وتحت سلطانه ، فكلّ ما يدركه الوهم من الأشياء فإنّما يوصلها إلى العقل ، والعقل عاجز من إدراكه سبحانه ، فكيف حال الوهم .
« وفيها أثبت غيره » أي في الأشياء ما يدّعي إثباتَ غير اللَّه حيث يزعمون أنّها على شيء ، وليسوا يدرون أنّها لا شيء محض وأعدام صرفة ، وإنّما هي مظاهر أنوار الوهيّة ، ومجالُ أحكام ربوبيّة ، ولا يملكون لأنفسهم ضرّاً ولا نَفْعاً ولا حياةً ولا نُشُوراً ، « 1 » فإثبات الغير هو إسناد أمر من الأمور إلى شيء غير اللَّه ، وغير حوله وقوّته ، ولا حول ولا قوّة إلّاباللَّه .
ويمكن أن يكون المراد أنّ في النظر إلى الأشياء وتنقّلات أحوالها وتطوّرات أوضاعها أثبت أنّها غير اللَّه ؛ إذ خالقها منزّه عن أوصافها ، ولا يكون مثلَها . وهذه العبارة كنظائرها يحتمل أن يكون ضمير « فيها » يرجع إلى العقول [ أي ] إنّ في العقول أثبت غير اللَّه ؛ وذلك يحتمل وجهين :
أحدهما : أنّ كلّ ما يحصل في العقل ويتوهّم أنّه هو اللَّه ، فهو غير اللَّه ، كما في الخبر : « كلّ ما ميّزتموه في أدقّ معانيه مخلوق مثلكم » . « 2 »
والثاني : أنّ في العقول أنّ هنا أشياءَ غيرَ اللَّه ومنها أنبط الدليل . في القاموس : « كلّ ما اظهر بعد خفاء ، فقد انبط ، واستُنبط مجهولين » « 3 » انتهى . أي ومن الأشياء استخرج الدليل على وجوده سبحانه ووحدته وسائر صفاته الحسنى وتقدّسه عمّا لا يليق بجناب الكبرياء .
ففي كلّ شيء له آية * تدلّ على أنّه واحد
قيل : هذه الآية هي أحديّة كلّ موجود ، سواء كان واحداً أو كثيراً ؛ فإنّ الكثير أحديّة
هامش
( 1 ) . إشارة إلى الآية 3 من سورة الفرقان ( 25 ) .
( 2 ) . راجع : بحار الأنوار ، ج 69 ، ص 292 .
( 3 ) . القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 378 ( نبط ) .