قال : « نعم ، وفي أصغرَ من البيضة ؛ قد جعلها في عينك وهي أقلّ من البيضة ؛ لأنّك إذا فتحتها عاينت السماء والأرض وما بينهما ، ولو شاء لأعماك عنها » . « 1 »
أقول : ليتفطّن اللبيب لما روعي من النكتة في قول أمير المؤمنين عليه السلام : « والذي سألتني لا يكون » حيث لم يقل : لا يفعله اللَّه ؛ بل أسند عدم الكون إلى ذات المسؤول عنه . وفي قوله : « ومن أقدر ممّن يلطف الأرض ويعظم البيضة ؟ » فتدبّر .
قوله : ( إنَّهُما اثْنَانِ ) . [ ح 5 / 220 ]
هذا في الظاهر حَمْل الشيء على نفسه ، ولعلّ توجيهه أنّ الذي تخيّلنا متّصفاً بصفة الاثنينيّة اثنان في الواقع أيضاً .
قوله : ( مِنْ أنْ يَكونا قَدِيمَيْنِ قَوِيَّيْنِ ) إلى آخره . [ ح 5 / 220 ]
لم يُنقل أنّ أحداً من أصحاب النِّحَل ذهب إلى أنّ سلسلة العلل والمعلولات لا إلى نهاية في طرف الماضي ، ولا أنّ المبدأ وُجد بالترجيح أو الأولويّة الذاتيّة ، ووجه ذلك أنّ الشيطان وإن كان شديد الحرص على أن يغوي الإنسان كلَّ الإغواء ، ويدخلَه في الجهالات والضلالات ، إلّاأنّه لا يستطيع أن يشكّك في البديهيّات ، وبطلانُ الترجيح والأولويّة والذهاب إلى غير النهاية من البديهيّات ، والدلائلُ المسطورة في الكتب على سبيل الاستظهار ومن باب إقامة البرهان على المطالب الهندسيّة ، الذي في غاية الظهور ، ولأجل هذا لم يتعرّض الإمام عليه السلام لإثبات المبدإ القديم ، بل جعله من المسلّمات ، وأبطل تكثّره ، فاستوفى شقوق القديمين باعتبار القوّة .
والمراد بالقوّة الاستطاعة بنفسه على الإطلاق ؛ أي بلا مدخليّة الغير ، سواء كان بالمشاركة ، أو بتفويض الأمر إليه وعدم الممانعة ، لا مجرّد القدرة ؛ وذلك لأنّ نسبة القدرة إلى الفعل والترك على السواء ، فلا يتحقّق الفعل بمجرّدها ، بل لابدّ من أمرٍ آخَرَ وجوديٍّ ينضمّ إليه حتّى يتعلّق به ، ورفع الموانع وتهيّؤ الآلات وسائر ما يحتاج إليها ممّا يجامع الفعل والترك مأخوذ مع القدرة ، والاستطاعةُ هي القدرة المستجمعة
هامش
( 1 ) . التوحيد ، ص 130 ، ح 11 .