موفون شرائطَ الفعل كانت هذه فِعالَهم ، ولو ردّوا إلى الدنيا بعدما رأوا العذاب لعادوا لما نهوا عنه ، « 1 » كما قلنا في مثال المتحرّك بالحركة الطبيعيّة : والأمر والنهي العقليّان والشرعيّان ليسا بالنسبة إليهم إلّاليقطع عليهم قولهم :
« لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ »
« 2 » وبالنسبة إلى الطينات الطيّبات تربيةٌ لهم ، وإيصال إلى مَراقي الكمالات ، كما يربّي الوالد الشفيق ابنه بالأوامر والنواهي .
وحسبك شاهداً في هذا الباب قوله عزَّ من قائل :
« وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ »
« 3 » ، وقوله :
« وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ »
« 4 » ، وقوله :
« وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها »
إلى قوله :
« أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ »
« 5 » .
وفي حكاية بيضات الطير المسمّاة بالقدم - التي نقلها الصدوق طاب ثراه في أواخر كتاب إكمال الدِّين في جملة حكاية « بلوهر » الحكيم - عبرةٌ لُاولي الألباب . « 6 »
وفي قنوت الوتر للإمام زين العابدين عليه السلام : « سيّدي أَمِن أهل الشقاء خلقتني فأطيل بكائي ، أم من أهل السعادة خلقتني فابشّر رجائي ، ألِضَرب المقامع خلقت أعضائي ، أم لشُرب الحميم خلقت أمعائي » . « 7 »
يعني أنا من الممكنات المعلومة في العلم الأزلي في مرتبة « ما » الشارحة أنّ إرادتها الذاتيّة إلى موجبات الشقاء ، فخلقتني ويسّرت لي أسباب فعل ما في إرادتي التي علمتها من ذاتي في مرتبة « ما » الشارحة ، فأكون مظهر اسمك القهّار شديدِ البطش ، أم من الممكنات المقابلة لتلك ، فمننت عليَّ بتشريف الإيجاد ، وتتمّ تلك المنّة بتيسير أسباب الرشاد وتربيتي لتجعلني أهلًا لتفضّلاتك الجسيمة ؛ فإنّي أعلم أنّ ما يصيبني من حسنةٍ فمنك ، ولك المِنّةُ عليَّ ، وما يُصيبني من سيّئةٍ فمن نفسي ، ولك الحجّة عليّ ، هكذا ينبغي أن يفهم كلامه صلوات اللَّه عليه وسلامه .
هامش
( 1 ) . إشارة إلى الآية 28 من سورة الأنعام ( 6 ) .
( 2 ) . طه ( 20 ) : 134 .
( 3 ) . الذاريات ( 51 ) : 55 .
( 4 ) . الأنفال ( 8 ) : 23 .
( 5 ) . الأعراف ( 7 ) : 179 .
( 6 ) . كمال الدين ، ج 2 ، ص 589 .
( 7 ) . الأمالي للصدوق ، ص 219 ، المجلس 39 ، ح 5 ؛ روضة الواعظين ، ج 1 ، ص 198 ؛ المصباح للكفعمي ، ص 368 .