المحن ، إلّاشرذمة ممّن عصمه اللَّه وبسفينة أهل البيت نجّاه ، وبالتمسّك بالثقلين أبقاه ، واستكتم الناجون دينهم ، وصانوا وتينهم « 1 » ، فاستبقى اللَّه عزّوجلّ بهم رمق الشريعة في هذه الامّة ، وأبقى بإبقاء نوعهم سُنّة خاتم النبيّين صلى الله عليه وآله إلى يوم القيامة ، فبعث إماماً « 2 » بعد إمام ، و [ أقام ] خَلَفَ شيعة لهم بعد سلف ، فكان لا يزال طائفة من الشيعة - رضوان اللَّه عليهم - يحملون الأحاديث في الفروع والأصول عن أئمّتهم عليهم السلام بأمرهم وترغيبهم ، ويروونها عن الآخَرين « 3 » ، ويروي الآخَرون للآخَرين ، وهكذا إلى أن وصلت إلينا ، والحمدُ للَّهربّ العالمين .
وكانوا يثبتونها في الصدور ، ويسطّرونها في الدفاتر ، ويَعُونَها « 4 » كما يسمعونها ، ويحفظونها كما يتحمّلونها ، ويبالغون في نقدها وتصحيحها ، وردّ زيفها ، وقبول صحيحها ، وتخريج صوابها وسليمها من خطأها وسقيمها ، حتّى يرى أحدهم لا يستحلّ نقلَ ما لا وثوق به ، ولا إثباتَ ذلك في كتبه إلّامقروناً بالتضعيف ، ومشفوعاً بالتزييف ، طاعناً فيمن يروي كلَّ ما يُروى ويسطر كلّ ما يُحكى ، كما هو غير خافٍ على من تتبّع كتب الرِّجال وتعرّف منها الأحوال .
وكانوا لا يعتمدون على خبرٍ « 5 » ناقلُه منحصر في مطعون أو مجهول ، وما لا قرينة معه تدلّ على صحّة المدلول ، ويسمّونه الخبرَ الواحد الذي لا يوجب علماً ولا عملًا .
وكانوا لا يعتقدون في شيءٍ من تفاصيل الأصول الدينيّة ، ولا يعملون في شيءٍ من الأحكام الشرعيّة إلّابالنصوص المسموعة عن أئمّتهم عليهم السلام ولو بواسطة ثقة أو بوسائطِ ثقاةٍ .
وكانوا مأمورين بذلك من قِبَل أولئك السادات ، ولا يستندون في شيءٍ منها إلى تخريج الرأي بتأويل المتشابهات ، وتحصيل الظنّ باستعانة الأصول المخترعات ، الذي يسمّى بالاجتهاد ، ولا إلى اتّفاق آراء الناس الذي يسمّى بالإجماع ، كما يفعل ذلك كلّه الجمهور من العامّة .
هامش
( 1 ) . الوتين : عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه . القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 274 ( وتن ) .
( 2 ) . في المصدر : « فبعث إمام هدى » .
( 3 ) . في المصدر : « لآخرين » بدل « عن الآخرين » .
( 4 ) . أي يحفظونها .
( 5 ) . في المصدر : « على الخبر الذي كان » بدل « على خبر » .