وبينما قامت معظم روايات زيدان على تلك الصيغة من الحبكات فإن ثمة صيغة أخرى قدمها جميل نخلة المدور هي صيغة الرحلة الخيالية إلى فترة تاريخية سابقة ؛ فروايته " حضارة الإسلام في دار السلام " تصور رحالة فارسيا يطوف معظم البلدان الإسلامية في المائة الثانية للهجرة ، ويلتقى بعدد من رجال العصر العباسي ويتصل بالبرامكة بصفة خاصة ، ويقدم رحلته - إلى المتلقى - في إطار مجموعة من الرسائل التي تصور للمتلقى كثيرا من جوانب العصر الّذي ارتحل إليه .
وتمثل حبكة رواية " علم الدين " الصيغة الثالثة من صيغ الحبكات ، وهي صيغة تقوم على الجمع بين حكاية رئيسية تمثل حكاية الإطار ، وهذا ما تجسده علاقة علم الدين بالرجل الإنجليزى ، سواء في مبتدأها أو تطورها أو نهايتها - وحكايات أخرى فرعية تتصل - بطريقة أو بأخرى - بحكاية الإطار ، وتنشأ هذه الحكايات - دائما - من دورانها حول شخص واحد كما في قصة يعقوب أو قصة المصري المغترب ( 25 ) .
إن وضع كتابة الطهطاوي السيرة النبوية في " نهاية الإيجاز " في توازيها الزمنى مع تأصيل الرواية التاريخية والرواية التعليمية يكشف عن كثير من جوانب التلاقى بينهما ، والتي يمكن أن يكون بعضها دالا ، بدوره ، على بعض صور التفاعل بين تشكيل الرواية التاريخية وبنية بعض الأشكال السردية العربية الوسيطة ؛ فإذا كان كاتب الرواية التاريخية يحرص على الاعتماد على مرويات تاريخية " موثقة " ويشير إلى مصادره ، فإن كتابة الطهطاوي كانت تحقق الشرط ذاته مستجيبة في ذلك إلى " خصوصية " متن السيرة في إطار الثقافة العربية الوسيطة ؛ بمعنى أن حرص المهتمين بالسيرة النبوية - في عديد من العلوم في الحضارة الإسلامية - على تحقيق نسبة الأحداث والوقائع إلى النبي ( ص ) قد حدد مجال الابتكار أمام كاتب السيرة إذ أصبح ماثلا في التأكد من صحة الأخبار ، ثم اصطفاء بعضها ، أو الكثير منها أحيانا ، مع التخلي عن كثير من التفصيلات أو المرويات الخلافية . ولعل ذلك ما شكل مبدأ لكتابة السيرة النبوية حتّى لدى الأجيال التالية للطهطاوى ؛ على نحو ما يبدو عند طه حسين في " على هامش السيرة " ( 1933 ) ( 26 ) .
وبقدر ما كان الشرط السابق يقيد خيال كاتب السيرة في ابتكار أحداث أو
نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة مقدمة 30
مساهمون: الشيخ رفاعه رافع الطهطاوى
صمقدمة ٣٠