الاستسقاء الأخير
فلما سمع العباس عليه السّلام ذلك رمق بطرفه إلى السماء ، وقال : إلهي وسيدي ، أريد [ أن ] أعتدّ بعدّتي ، وأملأ لهؤلاء الأطفال قربة من الماء . فركب فرسه وأخذ رمحه ، والقربة في كتفه .
وكان قد جعل عمر بن سعد أربعة آلاف خارجي موكلين على الماء ، لا يدعون أحدا من أصحاب الحسين عليه السّلام يشرب منه . فلما رأوا العباس قاصدا إلى الفرات أحاطوا به من كل جانب ومكان . فقال لهم : يا قوم ، أنتم كفرة
أم مسلمون ؟ . هل يجوز في مذهبكم أو في دينكم أن تمنعوا الحسين عليه السّلام وعياله شرب الماء ، والكلاب والخنازير يشربون منه ، والحسين مع أطفاله وأهل بيته يموتون من العطش . أما تذكرون عطش القيامة ؟ ! .
فلما سمعوا كلام العباس عليه السّلام وقف خمسمئة رجل ورموه بالنبل والسهام ، فحمل عليهم فتفرقوا عنه هاربين كما تتفرق الغنم عن الذئب ، وغاص في أوساطهم وقتل منهم - على ما نقل - قريبا من ثمانين فارسا . فهمز فرسه إلى الماء وأراد أن يشرب ، فذكر عطش الحسين عليه السّلام وعياله وأطفاله ؛ فرمى الماء من يده ، وقال :
والله لا أشربه وأخي الحسين عليه السّلام وعياله وأطفاله عطاشى ، لا كان ذلك أبدا .
ثم ملأ القربة وحملها على كتفه الأيمن ، وهمز فرسه وأراد أن يوصل الماء إلى الخيمة ، فاجتمع عليه القوم ، فحمل عليهم فتفرقوا عنه ، وصار نحو الخيمة ، فقطعوا عليه الطريق ، فحاربهم محاربة عظيمة . فصادفه نوفل الأزرق وضربه على يده اليمنى فبراها ، فحمل العباس القربة على كتفه الأيسر . فضربه نوفل أيضا فبرى كفه الأيسر من الزند ، فحمل القربة بأسنانه ، فجاء سهم فأصاب القربة ، فانفرت وأريق ماؤها .
ثم جاء سهم آخر في صدره ، فانقلب عن فرسه إلى الأرض . وصاح إلى أخيه الحسين عليه السّلام : أدركني . فساق الريح الكلام إلى الخيمة .
فلما سمع الحسين عليه السّلام كلامه ، أتاه فرآه طريحا ، فصاح : وا أخاه ، وا عباساه ، وا قرة عيناه ، وا قلة ناصراه ! . ثم بكى بكاء شديدا . وحمل العباس إلى الخيمة ، فجددوا الأحزان وأقاموا العزاء
وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
[ الشعراء : 227 ] .
( أقول ) : وهذا مناقض للواقع والمشهور ، من أن العباس عليه السّلام دفن في المكان الّذي استشهد فيه ، منحازا عن باقي الشهداء عليهم السّلام .