ولمّا التمسنا تحقيق ما قاله الصادق عليه السّلام من المنزلة بين المنزلتين ، وإنكاره الجبر والتفويض ، وجدنا الكتاب قد شهد له ، وصدّق مقالته في هذا ، وخبر عنه أيضا موافق لهذا : أنّ الصادق عليه السّلام سئل هل أجبر اللّه العباد على المعاصي ؟
فقال الصادق عليه السّلام : هو أعدل من ذلك ، فقيل له : فهل فوّض إليهم ؟
فقال عليه السّلام : هو أعزّ وأقهر لهم من ذلك .
وروي عنه عليه السّلام أنّه قال : الناس في القدر على ثلاثة أوجه : رجل يزعم أنّ الأمر مفوّض إليه فقد وهّن اللّه في سلطانه فهو هالك .
ورجل يزعم أنّ اللّه جلّ وعزّ أجبر العباد على المعاصي وكلّفهم ما لا يطيقون فقد ظلّم اللّه في حكمه فهو هالك .
ورجل يزعم أنّ اللّه كلّف العباد ما يطيقون ، ولم يكلّفهم ما لا يطيقون ، فإذا أحسن حمد اللّه ، وإذا أساء استغفر اللّه ، فهذا مسلم بالغ .
فأخبر عليه السّلام : أنّ من تقلّد الجبر والتفويض ودان بهما فهو على خلاف الحقّ .
فقد شرحت الجبر الذي من دان به يلزمه الخطأ ، وأنّ الذي يتقلّد التفويض يلزمه الباطل ، فصارت المنزلة بين المنزلتين بينهما .
ثمّ قال عليه السّلام : وأضرب لكلّ باب من هذه الأبواب مثلا يقرّب المعنى للطالب ، ويسهّل له البحث عن شرحه ، تشهد به محكمات آيات الكتاب ، وتحقّق تصديقه عند ذوي الألباب ، وباللّه التوفيق والعصمة .
فأمّا الجبر الذي يلزم من دان به الخطأ فهو قول من زعم أنّ اللّه جلّ وعزّ أجبر العباد على المعاصي وعاقبهم عليها ؛ ومن قال بهذا القول فقد ظلّم اللّه في حكمه ، وكذّبه وردّ عليه قوله :
وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
.