ابتناها نبي اللّه تعالى سليمان بن داوود ؛ أمر الجنّ أن يبنوها له . فاجتمعت العفاريت من الجنّ على بنائها وأنها من عين القطر التي ألانها اللّه لسليمان بن داوود ، وأنها في مفازة الأندلس ، وإن فيها من الكنوز التي استودعها سليمان . وقد أردت أن أتعاطى الارتحال إليها .
فأعلمنى العلام بهذا الطريق أنه صعب لا يتمطّى إلا بالاستعداد من الظهور ، والأزواد الكثيرة مع بعد المسافة وصعوبتها ، وإن أحدا لم يهتمّ بها الأقصر عن بلوغها إلا دارا ابن دارا .
فلما قتله الإسكندر قال : واللّه لقد جئت الأرض والأقاليم كلها ، دان لي أهلها ، وما أرض إلا وقد وطأتها إلا هذه الأرض من الأندلس فقد أدركها دار ابن دارا ، وإني لجدير بقصدها كي لا أقصر عن غاية بلغها دارا .
فتجهّز الإسكندر واستعدّ للخروج عاما كاملا . فلما ظنّ أنه قد استعدّ لذلك وقد كان بعث روّاده فأعلموه أن موانع دونها . فكتب عبد الملك بن مروان إلى موسى بن نصير يأمره بالاستعداد والاستخلاف على عمله . فاستعدّ وخرج فرآها وذكر أحوالها . فلما رجع كتب إلى عبد الملك بحالها ، قال في آخر الكتاب :
فلما مضت الأيام وفنيت الأزواد ، سرنا نحو بحيرة ذات شجر وسرت مع سور المدينة ؛ فصرت إلى مكان من السور ، فيه كتاب بالعربية . فوقفت على قراءته وأمرت بانتساخه ، فإذا هو شعر :
ليعلم المرء ذو العزّ المنيع ومن * يرجو الخلود وما حيّ بمخلود
لو أنّ خلقا ينال الخلد في مهل * لنال ذاك سليمان بن داوود
سألت له القطر عين القطر فائضة * بالقطر منه عطاء غير مصدود
فقال للجنّ ابنوا لي به أثرا * يبقي إلى الحشر لا يبلي ولا يؤدي
فصيّروه صفاحا ثم هيل له * إلى السماء بأحكام وتجويد
وأفرغ القطر فوق السور منصلتا * فسار أصلب من صماء صيخود
وبثّ فيه كنوز الأرض قاطبة * وسوف يظهر يوما غير محدود