قلت : وتفصيل ما أجمله الفخر الرازي هو أن القرآن إنما ورد لبيان ما يجب على العباد الأخذ به أو الانتهاء عنه ، وكان الغرض منه ومن بعث الرسول صلّى اللّه عليه وآله هو الإنذار والتخويف من محارم اللّه تعالى ، كما في قوله تعالى :
« فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ »
« 1 » ، وقال سبحانه مخاطبا به النبي صلّى اللّه عليه وآله :
« وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ »
« 2 » ، وقال تعالى :
« وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ »
« 3 » ، وقوله سبحانه :
« وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ »
. « 4 »
وتقتضي هذه الآيات وجوب تبليغ النبي صلّى اللّه عليه وآله حكم عدم الإرث إلى علي وفاطمة عليهما السّلام والعباس وسائر نسائه ، ولا يجوز له صلّى اللّه عليه وآله التأخير عن بيان الحكم المختص بهم لهم ، فكيف يجوز على النبي صلّى اللّه عليه وآله أن لا يبيّن الحكم الجاري فيما بيّنه وبين وارثه ، ويتركهم في خلاف الواقع ، ويبيّنه لرجل آخر أجنبي عنهم وعن إرثهم ؟
أفلم يكن بيان الحكم لهم من الإنذار الواجب عليه صلّى اللّه عليه وآله بنص القرآن ؟
أو لم يكن تركه من الإغراء بالجهل والإيقاع في الضلال ؟
فأيّ قدح أعظم من كتمان النبي صلّى اللّه عليه وآله لذلك في إنذاره وتبليغه ووصاياه ، فلا يعرّف أهله وعشيرته أنهم لا يرثونه ، والعقل لا يجوز ذلك بعد أن لم يكن من الأسرار المكنونة .
اللازم لذي العقل والعقلاء أن يكون تبليغ الحكم جاريا مجرى المتعارف ولا تجدي الاتفاقات القهرية ؛ مثلا لو لم يكن أبو بكر حاكما ووليا لم يفد تعريف النبي صلّى اللّه عليه وآله له حديث ما تركناه صدقة وإعلامه إياه فائدة أصلا ، ولم يكن حجة قاطعة .
أما عند الخليفة والحاكم على فرض كونه غير أبي بكر فلأن شهادة الواحد الغير المنصوص على عصمته وتطهيره من اللّه تعالى لا تقبل ، وأما عند المدّعى عليه
هامش
( 1 ) . سورة الطلاق : الآية 10 ، 11 .
( 2 ) . سورة النحل : الآية 44 .
( 3 ) . سورة الزخرف : الآية 44 .
( 4 ) . سورة الشعراء : الآية 214 .