فنيطت دونها ملاءة ، ثم أنّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء وارتجّ المجلس . ثم مهّلت هنيهة حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم ، افتتحت كلامها بالحمد للّه عز وجل والثناء عليه والصلاة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، ثم قالت ما قالت ، وفيما قالت :
أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا ؛ أفحكم الجاهلية يبغون ، ومن أحسن من اللّه حكما لقوم يوقنون ؟ يا ابن أبي قحافة ! أترث أباك ولا أرث أبي ؟ لقد جئت شيئا فريا . فدونكها مخطومة مرحولة ، تلقاك يوم حشرك ؛ فنعم الحكم اللّه والزعيم محمد صلّى اللّه عليه وآله والوعد القيامة وعند الساعة يخسر المبطلون .
ثم انكفأت إلى قبر أبيها صلّى اللّه عليه وآله فقالت :
قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * واختلّ قومك فاشهدهم ولا تغب
فليت بعدك كان الموت صادفنا * لمّا قضيت وحالت دونك الكثب
وهذا الذي تركها غضبا على من خالفها وتدعو عليه بعد كل صلاة حتى لفظت نفسها الأخيرة ، كما سيوافيك تفصيله .
وهل هذا الحكم مطّرد بين الأنبياء جميعا أو أنه من خاصة نبينا صلّى اللّه عليه وآله ؟ والأول ينقضه الكتاب العزيز بقوله تعالى :
« وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ »
« 1 » ، وقوله سبحانه عن زكريا :
« فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا . يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ »
. « 2 »
ومن المعلوم أن حقيقة الميراث انتقال ملك إلى ورثته بعد موته بحكم المولى سبحانه ؛ فحمل الآية الكريمة على العلم والنبوة - كما فعله القوم - خلاف الظاهر ، لأن النبوة والعلم لا يورثان ، والنبوة تابعة للمصلحة العامة ، مقدّرة لأهلها من أول يومها عند بارئها ، و
« اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ »
« 3 » ولا مدخل للنسب فيها ، كما لا أثر للدعاء
هامش
( 1 ) . سورة النمل : الآية 16 .
( 2 ) . سورة مريم : الآيتين 5 ، 6 .
( 3 ) . سورة الأنعام : الآية 124 .