قالت زينب بنت يحيى : خدمت عمتي نفيسه أربعين سنة فما رأيتها نامت بليل ولا فطرت بنهار . . . ، وكانت تأكل في كل ثلاثة أيام أكلة . . . فكانت كلما اشتهت شيئا وجدت في السلة ، وكنت أجد عندها ما لا يخطر بخاطري ولا أعلم من يأتي به ، فتعجّبت من ذلك ، فقالت : يا زينب ، من استقام مع اللّه تعالى كان الكون بيده وفي طاعته ، وكانت لا تأكل لغير زوجها شيئا .
وكانت قدوم السيدة نفيسة إلى مصر مع زوجها إسحاق بن جعفر الصادق سنة ثلاث وتسعين ومائة ، وقيل دخلت مع أبيها . . . ، ولما سمع أهل مصر بقدومها تلفّتها النساء والرجال بالهوادج من العريش ، ولم يزالوا معها إلى أن دخلت مصر . فأنزلها عنده كبير التجار بمصر جمال الدين عبد اللّه بن الجصاص . فنزلت عنده في داره وأقامت بها مدة شهور ، والناس يأتون إليها أجمعون من سائر الآفاق ، يتبرّكون بزيارتها .
قال القضاعي : إن السيدة انتقلت من المنزل الذي نزلت به إلى دار أبي جعفر خالد بن هارون السلمي ، وهي التي وهبها لها أمير مصر السري بن الحكم في خلافة المأمون . فأقامت بها حينا إلى زمن وفاتها ، وحفرت قبرها بيدها في بيتها ، وكانت تصلّي فيها كثيرا . . . ، لا زالت كذلك إلى أول جمعة من شهر رمضان ، فزاد بها الألم وهي صائمة . فدخل عليها الأطباء الحذّاق وأشاروا عليها بالإفطار لحفظ القوة ، فقالت :
وا عجبا لي ! ثلاثون سنة أسأل اللّه عز وجل أن يتوفّاني وأنا صائمة فأفطر ؟ ! معاذ اللّه .
ثم أنشدت تقول :
اصرفوا عني طبيبي * ودعوني وحبيبي
زاد بي شوقي إليه * وغرامي في لهيب
. . .
قالت زينب : ثم إنها بقيت كذلك إلى العشر الأواسط من شهر رمضان ، فاحتضرت واستفتحت بقراءة سورة الأنعام . فلا زالت تقرأ إلى أن وصلت إلى قوله تعالى :
« قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ »
، ففاضت روحه الكريمة .