وقدم عليا بين يديه براية المهاجرين حتى انتهى إلى حمراء الأسد ، ثم رجع إلى المدينة . فهم الذين استجابوا للّه وللرسول من بعد ما أصابهم القرح ، وخرج أبو سفيان حتى انتهى إلى الروحاء ، فأقام بها وهو يهمّ بالرجعة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، ويقول : قد قتلنا صناديد القوم ، فلو رجعنا استأصلناهم . فلقي معبدا الخزاعي فقال : ما وراءك يا معبد ؟
قال : قد واللّه تركت محمدا وأصحابه وهم يحرقون « 1 » عليكم وهذا علي بن أبي طالب قد أقبل على مقدمته في الناس ، وقد اجتمع معه من كان تخلف عنه ، وقد دعاني ذلك إلى أن قلت شعرا . قال أبو سفيان : وما ذا قلت ؟ قال : قلت :
كانت تهد من الأصوات راحلتي * إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل
تردي بأسد كرام لا تنابلة « 2 » * عند اللقاء ولا خرق معاذيل « 3 »
فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه ، ثم مرّ به ركب من عبد القيس يريدون الميرة من المدينة ، فقال لهم : أبلغوا محمدا أني قد أردت الرجعة إلى أصحابه لأستأصلهم ، وأوقر لكم ركابكم زبيبا إذا وافيتم عكاظ ، فأبلغوا ذلك إليه وهو بحمراء الأسد ، فقال صلّى اللّه عليه وآله والمسلمون معه : حسبنا اللّه ونعم الوكيل . ورجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلى المدينة يوم الجمعة .
قال : ولما غزا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حمراء الأسد وثبت فاسقة من بني حطمة يقال لها :
العصماء أم المنذر بن المنذر تمشي في مجالس الأوس والخزرج وتقول شعرا تحرض على النبي صلّى اللّه عليه وآله ، وليس في بني حطمة يومئذ مسلم إلا واحد يقال له « عمير بن عدي » . فلما رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله غدا عليها عمير فقتلها ، ثم أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فقال : إني قتلت أم المنذر لما قاتله من هجر . فضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله على كتفه وقال : هذا رجل نصر اللّه ورسوله بالغيب ، أما إنه لا ينتطح فيها عنزان . « 4 »
هامش
( 1 ) . خ ل : يتحرقون عليكم تحرّقا .
( 2 ) . تنابلة : القصير القامة ، البليد ، الكسلان .
( 3 ) . عذله أي لامه فهو عاذل ، تعاذل القوم : اى عذل بعضهم بعضا .
( 4 ) . أي ينازع في دمها رجلان ضعيفا أيضا ويذهب هدرا .