تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
شاء اللّه » ، وقيل : لما رجعوا وكانوا ببعض الطريق ندموا ، وعزموا أن يعودوا عليهم ليستأصلوهم ، فألقى اللّه في قلوبهم الرعب . ومن ذلك : قوله تعالى :
ألم ( 1 ) غُلِبَتِ الرُّومُ ( 2 ) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ( 3 ) فِي بِضْعِ سِنِينَ
إلى قوله :
لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ
« 1 » ، سبب نزول هذه الآية أن كسرى وقيصر تقاتلا فغلب كسرى قيصر ، فساء المسلمين ذلك ، لأن الروم أهل كتاب ، ولتعظيم قيصر كتاب النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - ، وتمزيق كسرى كتابه ، وفرح المشركون به ، فأخبر اللّه تعالى بأن الروم بعد أن غلبوا سيغلبون في بضع سنين ، والبضع ما بين الثلاثة إلى العشر ، فغلبت الروم أهل فارس يوم الحديبية ، وأخرجوهم من بلادهم ، وذلك بعد سبع سنين « 2 » . ومن ذلك : قوله تعالى :
فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 6 ) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً
« 3 » فأخبر أنهم لا يتمنون الموت بالقلب ولا بالنطق باللسان مع قدرتهم عليه أبدا ، فأخبر فوجد مخبره كما أخبر ، فلو لم يعلموا ما يلحقهم من الموت لسارعوا إلى تكذيبه بالتمنى ، ولو لم يعلم ذلك لخشى أن يجيبوا إليه فيقضى عليه بالكذب ، قال البيضاوي : وهذه الجملة إخبار بالغيب وكان كما أخبر ، لأنهم لو تمنوا الموت لنقل واشتهر ، فإن التمني ليس من عمل القلب فيخفى . وروى مرفوعا : « لو تمنوا الموت لغص كل إنسان منهم بريقه فمات وما بقي يهودي على وجه الأرض » « 4 » . ومن ذلك : قوله تعالى :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا
هامش
( 1 ) سورة الروم : 1 - 6 . ( 2 ) قلت : عند الترمذي ( 3193 ) في التفسير ، باب : ومن سورة الروم ، إلا أنه ذكر أن انتصار الفرس على الروم كان في مكة ، وانتصار الروم على الفرس كان مع بدر ، فكان ذلك الفرح لأنهم أهل كتاب وأقرب إلى المسلمين من أهل الأوثان الذين هم أقرب إلى كفار قريش ، ولا أظن ذلك يرجع إلى سبب معاملة كسرى وقيصر لرسل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ، لأن ذلك كان بعد غزوة بدر بكثير . ( 3 ) سورة الجمعة : 6 ، 7 . ( 4 ) الذي في تفسير ابن كثير ، أن المقصود بتمنى الموت هنا المباهلة كما جاء في سورة آل عمران ، بمعنى أنه إن كنتم على هدى وأن محمدا وأصحابه على ضلالة فادعوا بالموت على الضال من الفئتين إن كنتم صادقين فيما تزعمون .
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية — صفحة 127 | أحمد بن محمد القسطلاني