على أنا لو لم نأت بهذه الأنباء والقصص من كتبهم ، ألم يك فيما أودع اللّه عز وجل القرآن دليل على ذلك ؟ وفي تركهم جحد ذلك وإنكاره - وهو يقرعهم به - دليل على اعترافهم له ؟ فإنه يقول :
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ
« 1 » ويقول حكاية عن المسيح :
إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ
« 2 » . ويقول :
يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
« 3 » ويقول :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ
« 4 » ، وكانوا يقولون لمخالفيهم عند القتال : هذا نبي قد أظل مولده ، ويذكرون من صفته ما يجدون في كتابهم ، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به حسدا وخوفا على الرئاسة . ويحتمل أنهم كانوا يظنون أنه من بني إسرائيل فلما بعثه اللّه من العرب ، من نسل إسماعيل عظم ذلك عليهم ، وأظهروا التكذيب ، فلعنة اللّه على الكافرين .
وقد كان - صلى اللّه عليه وسلم - يدعوهم إلى اتباعه وتصديقه ، فكيف يجوز أن يحتج بباطل من الحجج ، ثم يحيل ذلك على ما عندهم وما في أيديهم ، ويقول من علامة نبوتي وصدقي أنكم تجدوني عندكم مكتوبا وهم لا يجدونه كما ذكر ؟ ! أوليس ذلك مما يزيدهم عنه بعدا ، وقد كان غنيّا أن يدعوهم بما ينفرهم ، ويستميلهم بما يوحشهم . وقد أسلم من أسلم من علمائهم كعبد اللّه بن سلام ، وتميم الداري ، وكعب ، وقد وقفوا منه على مثل هذه الدعاوى .
وقد روى ابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق محمد بن حمزة بن عبد اللّه بن سلام عند جده عبد اللّه بن سلام : أنه لما سمع بمخرج النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - بمكة ، خرج فلقيه ، فقال له النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - : « أنت ابن سلام عالم أهل يثرب ؟ » قال : نعم ، قال : « ناشدتك اللّه الذي أنزل التوراة على موسى ، هل
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : 157 .
( 2 ) سورة الصف : 6 .
( 3 ) سورة آل عمران : 71 .
( 4 ) سورة البقرة : 146 .