ومنها : أنه لو أدركه الأنبياء لوجب عليهم اتباعه ،
كما سيأتي تقريره - إن شاء اللّه تعالى - .
ومنها : أنه أرسل إلى الجن اتفاقا ،
والدليل على ذلك قبل الإجماع :
الكتاب والسنة ، قال تعالى :
لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً
« 1 » ، وقد أجمع المفسرون على دخول الجن في هذه الآية ، وهو مدلول لفظها ، فلا يخرج عنه إلا بدليل . وإن قيل إن الملائكة خارجون من ذلك فلا يضر ، لأن العام المخصوص حجة عند جمهور العلماء والأصوليين ، ولو بطل الاستدلال بالعمومات المخصوصة لبطل الاستدلال بأكثر الأدلة . وقال تعالى في الأحقاف :
أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ
« 2 » ، فأمر بعضهم بعضا بإجابته دليل على أنه داع لهم ، وهو معنى بعثته إليهم ، إلى غير ذلك من الآيات .
وأما السنة ، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة : أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « فضلت على الأنبياء بست » فذكر منها « وأرسلت إلى الخلق كافة » « 3 » فإنه يشمل الإنس والجن ، وحمله على الإنس خاصة تخصيص بغير دليل فلا يجوز . والكلام فيه كالكلام في آية الفرقان [ 1 ] .
فإن قلت : إن قوله :
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً
« 4 »
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ
« 5 » ظاهر في اختصاص رسالته - صلى اللّه عليه وسلم - بالإنس ، واحتمال غير ذلك عدول عن الظاهر .
فالجواب : إن هذا إنما يتمشى على مذهب الدقاق القائل بأن مفهوم اللقب حجة ، و « الناس » من قبيل اللقب ، فإن المسألة المترجمة في الأصول « بمفهوم اللقب » لا تختص باللقب بل الأعلام كلها وأسماء الأجناس كلها كذلك ما لم تكن صفة . و « الناس » اسم جنس غير صفة فلا مفهوم له . فهذه
هامش
( 1 ) سورة الفرقان : 1 .
( 2 ) سورة الأحقاف : 31 .
( 3 ) صحيح : والحديث أخرجه مسلم ( 5230 ) في المساجد ، باب : رقم ( 1 ) .
( 4 ) سورة الأعراف : 158 .
( 5 ) سورة سبأ : 28 .