وهذا عليّ بن الحسين بقية أبيه الحسين قد انخرم أنفه « 1 » ونقبت جبهته وركبتاه وراحتاه أذاب نفسه في العبادة .
( 1 ) فأتى جابر إلى بابه واستأذن ، فلمّا دخل عليه وجده في محرابه قد أنضته « 2 » العبادة ، فنهض عليّ فسأله عن حاله سؤالا حفيا « 3 » ، ثم أجلسه بجنبه ثم أقبل جابر يقول : يا ابن رسول اللّه أما علمت أنّ اللّه إنمّا خلق الجنة لكم ولمن أحبّكم وخلق النار لمن أبغضكم وعاداكم ، فما هذا الجهد الذي كلّفته نفسك ؟
( 2 ) فقال له عليّ بن الحسين عليه السّلام : يا صاحب رسول اللّه أما علمت أنّ جدّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قد غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فلم يدع الاجتهاد له وتعبّد - بأبي هو وأمّي - حتى انتفخ الساق وورم القدم وقيل له : أتفعل هذا وقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخّر ؟
قال : أفلا أكون عبدا شكورا .
( 3 ) فلمّا نظر إليه جابر وليس يغني فيه قول ، قال : يا ابن رسول اللّه البقيا على نفسك فانّك من أسرة بهم يستدفع البلاء وبهم تستكشف اللأواء « 4 » وبهم تستمسك السماء ، فقال : يا جابر لا أزال على منهاج أبويّ مؤتسيا بهما حتى ألقاهما « 5 » .
( 4 ) وروي عن الصادق عليه السّلام انّه قال : ولقد دخل أبو جعفر ( الباقر عليه السّلام ) ابنه عليه فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد فرآه وقد اصفرّ لونه من السهر ورمضت « 6 » عيناه من البكاء ودبرت جبهته وانخرم أنفه من السجود وقد ورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة ، فقال أبو جعفر عليه السّلام : فلم أملك حين رأيته بتلك الحال البكاء ، فبكيت رحمة له ، فإذا هو يفكّر ،
هامش
( 1 ) انخرم أنفه : أي انشقت وترته فهو أخرم .
( 2 ) الانضاء : الابلاء ورجل انضته العبادة : أبلته وأهزلته .
( 3 ) حفيا : احتفى : بالغ في اكرامه .
( 4 ) اللأواء : الشّدة والمحنة .
( 5 ) راجع البحار ، ج 46 ، ص 78 ، ح 75 .
( 6 ) رمضت : أي احترقت .