ثمَّ قامَ ابن عبَّاس بَينَ يَدَيهِ ، فَدَعا النَّاسَ إلى بَيعَتِهِ ، فاستجابوا لَهُ ، وَقالوا :
ما أحبّه إلينا وأحقّه بالخلافة فبايعوه . ثم نزل عن المنبر .
قال : ودسَّ معاوية رجلًا من بني حِمْيَر إلى الكوفة ، ورجلًا من بني القَيْن إلى البصرة يكتبان إليه بالأخبار ، فدُلَّ على الحِمْيريّ عند لحام جرير ، وَدُلَّ على القَيْنيّ بالبصرة في بني سُليم ، فَأُخِذا وَقُتِلا .
وَكَتبَ الحسَنُ إلى مُعاوِيَةَ :
أمَّا بَعدُ ؛ فإنَّك دَسَستَ إليَّ الرِّجالَ ، كأنَّك تُحِبُّ اللّقاءَ ؛ وما أَشُكُّ في ذلِكَ فَتَوَقَّعهُ إِن شاءَ اللَّهُ ، وَقَد بَلَغَني أنَّك شَمِتَّ بِما لا يَشمَتُ بهِ ذَوو الحِجى ؛ وَإنَّما مَثَلُكَ في ذلِكَ كما قالَ الأوَّلُ :
وَقُلْ للَّذِي يَبغي خِلافَ الَّذِي مَضى * تَجَهَّز لِأُخرى مِثلَها فَكَأنْ قَدِ
وَإنَّا وَمَن قَد ماتَ مِنَّا لَكالَّذِي * يَروحُ ويُمسي فِي المَبيت لِيَغتدِي
فأجابه معاوية :
أمَّا بعدُ ؛ فقد وصل كتابُكَ ، وَفَهِمتُ ما ذكرتَ فيهِ ؛ وَلَقد عَلِمتُ بما حدَثَ فَلم أفرح ولم أحزن ، وَلَم أشمَت وَلَم آسَ ، وإنَّ عليَّ بنَ أبي طالِبٍ كما قال أعشى بني قَيْسِ بنِ ثعلَبَةَ :
وَأنْتَ الجَوادُ وأنتَ الَّذي * إذا ما القلوبُ مَلأنَ الصُّدُورا
جَديرٌ بِطَعنَةِ يَومِ اللِّقا * ءِ تَضرِبُ منها النِّساءُ النُّحورَا
وَما مُزْبَدٌ « 1 » مِن خَليجِ البحا * رِ يَعلُو الإكامَ ويَعلُو الجُسورا
بِأجَودَ مِنهُ بِما عِندَهُ * فَيُعطي الأُلوفَ وَيُعطى البُدُورا « 2 »
هامش
( 1 ) في شرح نهج البلاغة : « مِزْيَد » بدل « مُزْبَد » .
( 2 ) . مقاتل الطّالبيين : ص 61 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 16 ص 31 نحوه وراجع : الإرشاد : ج 2 ص 9 ، كشف الغمّة : ج 2 ص 164 ، الفصول المهمّة : ص 47 ، بحار الأنوار : ج 44 ص 45 ح 5 .