حتّى وردْنا الاخَيْرِجَة « 1 » أوّل منزل نَعْدِل من فَيْدَ إلى المدينة يوم جُمُعة ، فصلَّيْنا الزَّوال ، فلمَّا نهَض بنا البعير إذا أنا برجل طُوال آدَم معه كتابٌ ، فناولَه جابراً ، فتناولَه فقبَّلَه وَوَضعَه على عينيه ، وإذا هو من محمّد بن عليّ إلى جابر بن يزيد وعليه طينٌ أسود رَطْبٌ ، فقال له :
متى عهدُك بسَيِّدي ؟
فقال : السَّاعة .
فقال له : قبْل الصَّلاة أو بعد الصَّلاة ؟
فقال : بعد الصَّلاة .
ففَكَّ الخاتَم ، وأقْبل يقْرؤُه ، ويَقْبِضُ وجْهَه ، حتّى أتى على آخره ، ثمَّ أمسك الكتاب ، فما رأيتُه ضاحكاً ولا مسرورا حتّى وافى الكوفة ، فلمَّا وَافَيْنا الكوفةَ ليلًا بِتُّ لَيْلَتي ، فلمَّا أصْبحت أتيتُه إعْظاماً له ، فوجدْتُه قد خرَج عليَّ وفي عنُقه كِعَابٌ ، قد علَّقها وقد ركِب قصَبةً وهو يقول :
مَنْصُورَ « 2 » بن جُمْهُور * أميراً غيرَ مأْمور
وأبياتاً من نَحْو هذا . فنظَر في وجْهي ، ونظرْت في وجهه ، فلم يقُل لي شيئاً ، ولم أقل له ، وأقبلتُ أبكِي لمَّا رأيتُه ، واجْتمَع عليَّ وعليه الصِّبْيان والنَّاس ، وجاء حتّى دخَل الرَّحَبَة ، وأقبل يَدُور مع الصِّبْيان ، والنَّاس يقولون :
جُنَّ جابر بن يزيد ، جُنَّ ، فوَ اللَّهِ ما مَضَت الأيَّام حتّى ورَد كتاب هِشام بن عبد المَلِك إلى وَالِيه ، أنِ انْظُر رجلًا يقال له جابر بن يزيد الجُعْفيّ ، فاضرب عُنُقَه ، وابْعث إليَّ برأْسه .
فالْتفت إلى جُلَسائه فقال لهم : مَن جابر بن يزيد الجُعْفِيّ ؟
هامش
( 1 ) أخاريج وأخرجة والخرج اسم موضع بالمدينة .
( 2 ) في المصدر : « أجد منصور » ، والصواب ما أثبتناه من المصادر الأخرى .