وانظر ما عليها من أثر التّوليد وشين التَّكلُّف وفجاجة كثير من الألفاظِ ، ألا ترى إلى فجاجَةِ قوله :
« كأنَّ أسماعَكُم تَمُجُّ ودائِعَ الوَعْظِ ، وكأنّ قلوبَكُم بها استِكبارٌ عَنِ الحِفْظِ »
وكذلك ليس يخفى نزول قوله :
« تَنُدُّونَ مِن عَدُوِّكُم نَدِيدَ الإبلِ ، وتَدَّرِعُونَ لَهُ مَدارِعَ العَجْزِ والفَشَلِ »
وفيها كثير من هذا الجنس إذا تأمّله الخبير عرفه ، ومع هذا فهي مسروقة من كلام أمير المؤمنين عليه السلام . . .
- ثُمَّ ذكر قسماً من سرقاته ، وتكلّم على تمييز الفصيح عن غيره فقال : - « 1 » فإن شئت أن تزداد استبصاراً ، فانظر القرآن العزيز ، واعلم أنّ النَّاس قد اتفقوا على أنَّه في أعلى طبقات الفصاحة ، وتأمّلْهُ تأمُّلًا شافِياً ، وانظر إلى ما خصَّ به من مزيَّة الفصاحة والبعد عن التَّقعيرِ والتَّقعيب والكلام الوحشي الغريب ، وانظر كلام أمير المؤمنين عليه السلام فإنَّك تَجِدُهُ مُشتقّاً من ألفاظِهِ ، ومقتَضَباً مِن معانِيهِ ومذاهبه ، ومحذوَّاً به حذوه ، ومسلوكاً به في منهاجه ، فهو وإن لم يكن نظيراً ولا ندّاً ، يصلح أن يقال : إنَّه ليس بَعدَهُ كلامٌ أفصح منه ولا أجزل ، ولا أعلى ولا أفخم ولا أنبل ، إلَّا أن يكون كلامُ ابن عمِّه عليه السلام وهذا أمر لا يعلمه إلَّا من ثبتت له قدم راسخة في علم هذه الصَّناعة ، وليس كلّ النَّاس يصلح لانتقاد الجوهر ، بل ولا لانتقاد الذَّهب ، ولِكُلِّ صناعة أهل ، ولكلِّ عمل رجال . . . « 2 »
22 كتابه عليه السلام إلى سَهْل بن حُنَيْف الأنْصاريّ
ومن كتاب له عليه السلام إلى سَهْل بن حُنَيْف الأنْصاريّ ، وهو عامله على المدينة ، في
هامش
( 1 ) ما بين الشارحتين ليس من المصدر .
( 2 ) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 2 ص 80 .