بحذافيرها فما كنا فاعلين لا أمّ لك « 1 » .
وشهد لهم بذلك كعب بن جابر فإنه لما قتل بريرا عتبت عليه زوجته وقالت :
أعنت على ابن فاطمة وقتلت سيد القراء لقد أتيت عظيما من الأمر واللّه لا أكلمك من رأسي كلمة واحدة فقال يخاطبها من أبيات « 2 » .
ولم تر عيني مثلهم في زمانهم * ولا قبلهم في الناس إذ أنا يافع
أشد قراعا بالسيوف لدى الوغى * ألا كل من يحمي الذمار مقارع
وقد صبروا للضرب والطعن حسرا * وقد نازلوا لو أنّ ذلك نافع
ثم أي فرد منهم أقلقه الحال حتى ارتعدت فرائصه ؟ أهو زهير بن القين الذي وضع يده على منكب الحسين وقال مستأذنا :
أقدم هديت هاديا مهديا * فاليوم ألقى جدك النبيا
أم ابن عوسجة الذي يوصي حبيب بن مظاهر بنصرة الحسين وهو في آخر رمق من الحياة ، فكأنه لم يقنعه في المفاداة كل ما لاقاه من جهد وبلاء .
أم أبو ثمامة الصائدي الذي لم يهمه في سبيل السير إلى ربه تعالى كل ما هنالك من فوادح وآلام إلا الصلاة التي دنا وقتها .
أم سعيد الحنفي الذي استهدف لهم عند الصلاة حتى سقط لكثرة نزف الدم فيقول للحسين أوفيت يا ابن رسول اللّه ؟
أم ابن شبيب الشاكري الذي يلقي جميع لامته لتقرب منه الرجال فيموت في حين نرى الكماة الأبطال المعروفين بالشجاعة والإقدام يتدرعون للحرب كيلا يخلص إليهم ما يزهق نفوسهم .
أم جون الذي يأذن له الحسين في الانصراف فيقع على قدميه يقبلهما وهو يبكي ويقول : إنّ لوني لأسود وحسبي لئيم وريحي منتن فتنفس عليّ بالجنة ليبيض لوني ويشرف حسبي ويطيب ريحي .
هامش
( 1 ) شرح النهج الحديدي ج 1 ص 307 مصر الطبعة الأولى .
( 2 ) تاريخ الطبري ج 6 ص 247 .