بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الحزب الأوّل
الحمد للَّه الذي أظهر من باطن خفاء عماء ليل هويّة الأحديّة ، مطالع أنوار فجر صبح حضرة الحقيقة المحمديّة ، ثم سلخ منها جميع العالم ، فكانت للأشياء في نسابة آدم ، فرفع بها ووضع ، وفرّق وجمع ، وقرّب وأبعد ، وأشقى وأسعد ، فهي كلمة الفصل ، التي لم تزل راجعة للأصل ، ونقطة الشكل التي بها سرّ الوصل ، ونون الكاف عند أهل الأعراف ، قديمة في العلم ، حادثة في الجسم ، معناها الوجود ، ومجلاها الحدود ، سارية في الأزمان ، كالشمس في الأكوان ، تعدل ما يكون وما كان . مكّة الأزل دارها ، ومدينة الأبد قرارها ، خلاصة العبارة ، التي نطقت بها الإشارة ، مباركة عربية ، لا شرقية ولا غربية ، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ، عند أهل البصائر لا الأبصار ، مصانة عن سواه ، في حضرة من براه . ولولا نور الرّداء ، لظهر سرّ الخفاء ، فحماها الكمال ، من توضيح علم المال ، فوضعته بالرّمز ، بأنها برزت من الكنز . ولمّا حكمت الرسالة ، واقترن الاسم بالجلالة ، وأشرق القمر ، على صورة البشر ، ناداه القبول ، يا أيّها الرّسول ، فأقام الدليل ، وأوضح السبيل ، وأعلن بكلمة التوحيد ، فبان الشقيّ من السعيد ، فأرسلت العين تفيد إلى الثّقلين ، على لسان الأمين ، بحق اليقين
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ( 107 )
[ الأنبياء : الآية 107 ] ، صلّوا عليه .
الحزب الثّاني
فسبحان من خصّ المختار صلى اللّه عليه وسلم بهذا المقدار ، وأطلع آل تلك الدار على هذه الأسرار . فهو صلى اللّه عليه وسلم الكلمة التامّة ، والرّحمة العامّة ، المحيطة بكل صامت وناطق ، المحمولة على سفينة ضمنها جميع الخلائق ، ليس بشريك ولا ندّ ، بل رسول عبد ، في حضرة قاب قوسين ، أصل غينه عين ، وهو الجامع بين الاثنين . شمس ذاته لا تكسف ، وقمر صفاته لا يخسف ، المسلمون تحت لوائه المعقود ، والمؤمنون على حوضه المورود ، والمحسنون من مقامه المحمود ، وسيلة الوسائل الخلقيّة ، وفضيلة المقاصد