الثاني من خروجه صلى اللّه عليه وسلم من الغار جمع الناس أبو جهل - لعنه اللّه - وقال :
بلغني أن محمدا قد مضى نحو يثرب على طريق الساحل ومعه رجلان آخران ، فأيكم يأتيني بخبره ؟ فوثب سراقة وقال : أنا ، أبا الحكم . ثم إنه ركب راحلته واستجنب فرسه ، وأخذ معه عبدا أسود ، وكان ذلك العبد من الشجعان المشهورين ، فسارا في أثر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم سيرا عنيفا حتى لحقا به وساق نحو ما تقدم إلى أن قال : ورجع سراقة إلى مكة فلا زال به أبو جهل - لعنه اللّه - حتى اعترف وأخبرهم بالقصة . وفي ذلك يقول سراقة مخاطبا لأبى جهل لعنه اللّه :
أبا حكم واللّه لو كنت شاهدا * لأمر جوادى إذ تسيخ قوائمه
علمت ولم تشكك بأنّ محمدا * رسول ببرهان فمن ذا يقاومه
« 1 » وسياق هذه الرواية يدل على أنه خرج خلف النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من مكة ؛ لكنه مخالف لما تقدم أنه خرج خلفه من قديد ، وقد يقال : لا مخالفة لأنه يجوز أن يكون لما خرج من مكة سلك طريقا غير الذي سلكه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلم يجده وسبقه على قديد ، فلما أخبر بمرورهم فعل ما تقدم .
قال في « إنسان العيون » : ولا مانع من أن يخرج بعد خروجهم من الغار ويسبقهم على قديد ، ولا ينافي في قوله : جاءنا رسول كفار قريش ؛ لأنه يجوز أن يكون ذلك هو الحامل لسراقة على الذهاب إلى مكة ، وفي كلام بعضهم أنه أرسل بهذين البيتين إلى أبى جهل ، ولا منافاة لجواز أنه أرسلهما إليه قبل أن يشافهه بهما .
( عطّر اللّهمّ قبره الكريم ، بعرف شذىّ من صلاة وتسليم اللّهمّ صلّ وسلّم وبارك عليه )
هامش
( 1 ) دلائل النبوة للبيهقي ( 2 / 489 ) ، دلائل النبوة لأبى نعيم ص ( 244 ) .