صلى اللّه عليه وسلم ستر بجلاله فلم يمكن أحدا أن يتأمل فيه ، وفي ذلك قالت عائشة رضى اللّه عنها :
ولو علموا في مصر أوصاف خدّه * لما بذلوا في سوم يوسف من نقد
لوامى زليخا لو رأين جبينه * لآثرن بالقطع القلوب على الأيدي
« 1 » وقد حكى القرطبي في كتاب الصلاة عن بعضهم أنه قال : لم يظهر لنا تمام حسنه صلى اللّه عليه وسلم لأنه لو ظهر لنا تمام حسنه لما أطاقت أعيننا رؤيته .
ولقد أحسن البوصيري أيضا حيث قال :
أعيا الورى فهم معناه فليس يرى * للقرب والبعد فيه غير منفحم
كالشّمس تظهر للعينين من بعد * صغيرة وتكلّ الطّرف من أمم
« 2 » وهذا مثل قوله :
إنما مثلوا صفاتك للناس * كما مثل النجوم الماء
والتشبيهات الواردة في حقه صلى اللّه عليه وسلم كما هنا في قوله : كالشمس تظهر . . .
إلخ . وقوله : كما مثل النجوم الماء ، ونحو ذلك : إنما جرى على عادة الشعراء والعرب ، أو على سبيل التقريب والتمثيل ؛ وإلا فذاته صلى اللّه عليه وسلم أعلا وأغلا من كل مخلوق . وسيأتي مزيد لذلك .
قال الإمام النووي نقلا عن الثعلبي : أقام يعقوب وأولاده بعد قدومهم على يوسف بمصر أربعا وعشرين سنة ، فلما حضر يعقوب الوفاة أوصاهم أن يدفنوه ببيت المقدس ، وتوفى يعقوب عن مائة وسبع وأربعين سنة ، وعاش يوسف بعده ثلاثا وعشرين سنة ، وتوفى عن مائة وعشرين سنة ، ودفن في نيل مصر ، فاستخرجه موسى - عليه السلام - حين خرج مع بني إسرائيل وحمله إلى الشام .
وحكمة رؤيته صلى اللّه عليه وسلم ليوسف في السماء الثالثة : الإشارة إلى حالة ثالثة تشبه
هامش
( 1 ) أعيا : أعجز . والمنفحم : الساكت عجزا في المناظرة .
( 2 ) المجموعة النبهانية ( 4 / 6 ) . وتكل : تعجز . والطرف : البصر . والأمم : القرب .