كفار قريش بعد الإنذار بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ
« 1 » ( حتّى أنزل عليه ) صلى اللّه عليه وسلم قوله جل ذكره :
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
« 2 » أي اجهر ؛ من صدع بالحجة إذا تكلم جهارا أو فرق بين الحق والباطل ، وأصله الإبانة والتمييز ، وما مصدرية أي : بأمرنا لك ، أو موصولة والعائد محذوف ؛ أي ما تؤمر به من الشرائع ، ولا يرد أن شرط حذف العائد المجرور أن يجر بمثل ما جر الموصول لفظا ومعنى ، وأن يتحد متعلق الحرفين لفظا ومعنى أيضا ؛ لأنا نقول : أن الذي جر العائد حذف أولا فاتصل العائد بالعامل وصار منصوبا ولا مجرورا ، ثم حذف بعد ذلك فلم يحذف إلا وهو منصوب فيكون من قبيل قوله في الخلاصة :
والحذف عندهم كثير منجلى * في عائد متصل إن انتصب
بفعل أو وصف . . . إلخ ؛ لأنه لما أمر صلى اللّه عليه وسلم بالإنذار إنما أظهره لمن ظن منه الإجابة ، ولم يبالغ في الإظهار والتعميم ، فامن به من تقدم ذكرهم وتبعهم كثير من الناس ، ثم أمر بالمبالغة في إظهار الدعوة والإنذار بهذه الآية بعد النبوة بثلاث سنين أي في سنة أربع ، واستمر على ذلك عشر سنين كما سيأتي .
( فجهر ) أعلن ( بدعاء الخلق إلى ) عبادة ( الله ) وحده ، والإيمان به وبرسوله ، وترك ما هم عليه ( ولم يبعد منه قومه ) ولا ردوا عليه ( حتّى عاب آلهتهم ) أي رماها بالعيب سنة أربع ( وأمر ) هم ( برفض ) أي بترك ( ما سوى الوحدانيّة ) بأن يقروا بأن اللّه واحد في ذاته : فلا تعدد له بوجه ، وصفاته : فلا نظير له بوجه ، وأفعاله : فلا معين له ولا شريك له بوجه . وذلك لما دخل المسجد فوجدهم يسجدون للأصنام فنهاهم فقال : « أبطلتم دين أبيكم إبراهيم ؟ » فقالوا : إنا نسجد لها لتقربنا إلى اللّه . فلم يرض بذلك منهم وعاب صنعهم .
هامش
( 1 ) سورة المدثر : 1 ، 2 .
( 2 ) سورة الحجر : 94 .