وسياق ما تقدم أنه جاء في اليقظة عيانا ، وقيل : وهو نائم ، وسيأتي الجمع بينهما فقد روى أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « فجاءنى وأنا نائم بنمط - وهو ضرب من البسط - وفي رواية : « بنمط من ديباج فيه كتاب » أي كتابة - فقال : اقرأ .
فقلت : « ما أنا بقارئ » أي أنا أمي لا أحسن القراءة « فغطّنى به » آي غمّنى بذلك النّمط بأن جعله على فمه وأنفه قال : « حتى ظننت أنه الموت ، ثم أرسلني » فقال : اقرأ من غير هذا المكتوب ، فقلت : « ما ذا أقرأ ؟ ، ما أقول ذلك إلا افتداء منه - أي تخلصا منه - أن يعود إلىّ بمثل ما صنع « 1 » - أي إنما استفهمت عما أقرأه ولم آنف خوفا أن يعود لي بمثل ما صنع عند النفي .
وفي رواية : فقلت : « واللّه ما قرأت شيئا قط ، وما أدرى شيئا أقرأه » - أي لأنى ما قرأت شيئا فهو من عطف السبب على المسبب - قال :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ
إلى
ما لَمْ يَعْلَمْ
« 2 » ، فقرأتها ، فانصرف عنى ، وهببت - أي استيقظت - من نومى فكأنما كتب في قلبي كتابا أي استقر ذلك في قلبي - وحفظته » .
ولا يخفى أن ما تقدم عن بعضهم وهو أنه جاء ليلة السبت وليلة الأحد ثم ظهر له يوم الاثنين محتمل ؛ لأن يكون أتاه بذلك النمط ليلة السبت وليلة الأحد ، وسحر يوم الاثنين وهو نائم لا يقظة ؛ لقوله : « ثم هببت من نومى » ، ولا ينافي ذلك قوله : « ثم ظهر له بالرسالة » أي أعلن له بما يكون سببا للرسالة الذي هو اقرأ الحاصل في اليقظة ، وحينئذ يكون تكرار مجيئه هو السبب في استقرار ذلك في قلبه صلى اللّه عليه وسلم .
وفي « سيرة الشامي » ما يقتضى أن مجيء جبريل له بالنمط كان قبل دخوله حراء .
وفي « سفر السعادة » ما يقتضى أنه جاءه بالنمط يقظة في حراء ، ونصه :
هامش
( 1 ) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ( 2 / 147 ) .
( 2 ) سورة العلق : 1 - 5 .