فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه فنجد قائما منتقعا لونه ، فاعتنقه أبوه وقال : أي بنى ، ما شأنك ؟ فقال : « جاءني رجلان عليهما ثياب بيض ، فأضجعانى وشقّا بطني ثم استخرجا منه شيئا فطرحاه ، ثم رداه كما كان » . فرجعنا به معنا .
فقال أبوه : يا حليمة ، إني خشيت أن يكون ابني قد أصيب ، فانطلقى بنا نرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوفه . فاحتملناه حتى قدمنا به مكة على أمه .
قالت : ما ردكما به فقد كنتما حريصين عليه ؟ قلنا : نخشى الإتلاف والإحداث . فقالت : ما ذاك بكما ! فأصدقانى ما شأنكما ؟ فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره ، فقالت : أخشيتما عليه الشيطان ؟ لا واللّه ما للشيطان عليه سبيل ، وإنه لكائن لابني هذا شأن فدعاه عنكما « 1 » .
وذكر السيوطي في « الخصائص الكبرى » حديثا أخرجه أبو نعيم من طريق الواحدي قال في آخره : فرجعت به معها « 2 » .
وظاهر هذا السياق بل صريحه : أن شق الصدر ورجوعه إلى أمه كان في السنة الثالثة ؛ لقوله فيه : « بشهرين أو ثلاثة » .
وقد قال ابن عباس : رجع إلى أمه وهو ابن خمس سنين ويومين . وقال الأموي : وهو ابن ست سنين ، والراجح أنه صلى اللّه عليه وسلم رجع إلى أمه وهو ابن أربع سنين ، وأن شق الصدر إنما كان في الرابعة كما جزم به الحافظ العراقي في « نظم السيرة » ، وتلميذه الحافظ ابن حجر في « سيرته » .
( ووفدت ) بكسر الفاء من باب تعب ؛ أي قدمت ( عليه ) السيدة ( حليمة ) السعدية - تقدّم ذكر نسبها ونسبتها - تشكو إليه السنة وذلك ( في أيام ) أم المؤمنين ( خديجة ) بنت خويلد القرشية الآتي بيان حالها وخصالها الزكية ( السيدة ) الشريفة في قومها ( الرّضيّة ) بالراء المهملة فعيلة بمعنى مفعولة ؛ أي المرضية ، وفي بعض النسخ : « الوضية » بالواو من الوضاءة وهو الحسن
هامش
( 1 ) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ( 1 / 133 ) ، وابن هشام في السيرة النبوية ( 1 / 173 ) ، وابن كثير في البداية والنهاية ( 2 / 273 ) ، وابن الجوزي في الوفا ص ( 105 ) .
( 2 ) دلائل النبوة لأبى نعيم ص ( 149 ) .