وعلى تقدير صحة الروايات كلها والجمع بينها بأن الختم تعدد ، فليس منها خاتم النبوّة إلا الذي كان على كتفه الشريف عند حليمة ، لما علمت ، ولما مر عن السهيلي ، ويحمل باقيها على ما مر عن الحلبي في « إنسان العيون » من أن المراد من تعدد الختم في المحال المذكورة : المبالغة في حفظ ما في قلبه من نور النبوة والحكمة والإيمان ، وخصّ بين الكتفين ؛ لأنه أقرب إلى القلب من بقية الجسد . فإبعاد القليوبى لتعدد محله مع الإمكان غير مستقيم .
والصحيح أن خاتم النبوة لم يرفع عند موته صلى اللّه عليه وسلم ، وما روى عن عائشة - رضى اللّه تعالى عنها - أنها قالت : « التمست الخاتم حين توفى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فوجدته قد رفع » . مؤوّل بأن المراد قد رفع ظهوره ، فلا ينافي أنه اختفى وتقلص كما يتقلص الإنسان بعد الوفاة . على أن العلّامة الشامي توقف في صحة ذلك الحديث ، فقال : لا أظنه صحيحا ، فلينظر سنده .
ووضع الخاتم بين كتفيه صلى اللّه عليه وسلم بإزاء قلبه - كما مر - مما اختص به على سائر الأنبياء ، فقد روى الحاكم في « المستدرك » عن وهب بن منبه قال : لم يبعث اللّه نبيّا إلا وقد كانت عليه شامة النبوة في يده اليمنى ، إلا أن يكون نبينا فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه « 1 » . وبه جزم الجلال - كما تقدم - . قال الحلبي :
لم أقف على بيان تلك الشامات التي كانت للأنبياء غير نبينا ما هي ؟ .
وفي « النعمة الكبرى » : أنها كانت شامات سوداء .
تنبيه
ما مر عن الجلال في قوله : « وجعل خاتم النبوة على ظهره . . . إلخ » ، مشكل ؛ إذ مفهومه أن للشيطان موضع الدخول لقلوب الأنبياء غير نبينا صلى اللّه عليه وسلم وعليهم لم يختم ، ولا يخفى ما فيه من الخطورة ، ما أشنعها من عبارة وأخطأها من إشارة ؛ كذا قال القسطلاني فيما كتبه على هامش « الخصائص » .
هامش
( 1 ) لم أعثر عليه فيما تحت يدي من مصادر .