عيسى عليه السلام بالإخبار ، ورسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم بالأنوار .
وفي قوله : ورسالة عيسى بالإخبار . . . إلخ نظر ؛ لأن الأنوار عبارة عن المعجزات التي هي سبب في ثبوت الرسالة عند ادعائها ولا بد منها لكل رسول عيسى وغيره - فليست رسالة عيسى بالإخبار مجردا عن الأنوار بل هو مصحوب بها كما قص علينا ذلك في الكتاب العزيز حيث قال تعالى حكاية عنه :
أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ
الآية « 1 » ، وأيضا فتفريع الرسالة على الآية التي تكلم بها عند الولادة غير ظاهر إذ لم يصرح بها في الآية ، وأيضا فرسالة نبينا صلى اللّه عليه وسلم ليست بالأنوار وحدها بل بالأنوار والإخبار ، فكل منهما رسالته بالأنوار والإخبار .
وفي سجوده صلى اللّه عليه وسلم عند وضعه إشارة إلى أن مبدأ أمره على القرب ، قال تعالى :
وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ
« 2 » وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد » « 3 » فحال عيسى عليه الصلاة والسلام يشير إلى مقام العبودية ، وحال محمد صلى اللّه عليه وسلم يشير إلى مقام القرب من الحضرة الإلهية كما قيل في هذا المعنى :
لك القرب من مولاك يا أشرف الورى * وأنت لكلّ المرسلين ختام
وأنت لنا يوم القيامة شافع * وأنت لكلّ الأنبياء إمام
عليك من اللّه الكريم تحية * مباركة مقبولة وسلام
وخرّج أبو نعيم في « الدلائل » من حديث عبد الرحمن بن عوف عن أمه الشّفّاء بنت عمرو بن عوف - قابلة آمنة - قالت : لما ولدت آمنة بنت وهب محمدا صلى اللّه عليه وسلم وقع على يدي فاستهلّ ، فسمعت قائلا يقول : رحمك اللّه أو رحمك ربك « 4 » .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 49 .
( 2 ) سورة العلق : 19 .
( 3 ) عزاه السيوطي في الدر المنثور لعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر ( 6 / 627 ) .
( 4 ) دلائل النبوة لأبى نعيم ص ( 86 ) ، الوفا ص ( 91 ) .