لينصرف ، فقال له ابنه عبد اللّه : إلى أين ؟ قال : أذكرني عليّ كلاما قاله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، قال : كلّا ، ولكنّك رأيت سيوف بني هاشم حدادا يحملها رجال شداد ! قال له : ويلك أمثلي يعيّر بالجبن ؟ هلمّ الرمح ، وأخذ الرمح وحمل في أصحاب عليّ ، فقال عليّ عليه السّلام :
« أفرجوا للشيخ ، فإنّه محرج » فشقّ الميمنة والميسرة والقلب ، ثم رجع ، وقال لابنه : لا أمّ لك ، أيفعل هذا جبان ؟ وانصرف .
وقامت الحرب على ساق ، وبلغت النفوس إلى التراق ، فأفرجت عن ثلاثة وثلاثين ألف قتيل ، وقيل : سبعة عشر ألفا ، وفيه اختلاف ، فيهم من الأزد أربعة آلاف ، ومن ضبة ألف ومائة ، وباقيهم من سائر الناس ، كلّهم من أصحاب عائشة ، وقتل فيها من أصحاب عليّ عليه السّلام نحو من ألف رجل ، وقيل أقلّ ، وقطع على خطام الجمل سبعون يدا من بني ضبة ، كلّما قطعت يد رجل أخذ الزمام آخر ، وهم ينشدون :
ونحن بنو ضبة أصحاب الجمل * ننازل الموت إذا الموت نزل
والموت أشهى عندنا من العسل
انتهى كلامه « 1 » .
818 قال الشيخ الإمام جمال الدين عبد اللّه اليافعي : وبلغت القتلى يومئذ ثلاثة وثلاثين ألفا ، على ما ذكر أهل التواريخ ، كلّ ذلك وعائشة راكبة على الجمل ، فأمر عليّ عليه السّلام بعقر ذلك الجمل المسمّى بعسكر ، فخمد الشرّ عند ذلك ، وظهر عليّ وانتصر ، ثم جاء عليّ إلى عائشة فقال : « غفر اللّه لك » فقالت : ولك ، ملكت فأسجح ، فما أردت إلّا الإصلاح ، فبلغ من الأمر ما ترى ! فقال : « غفر اللّه لك » فقالت : ولك ، ثم أمر معها عشرين امرأة من ذوات الشرف والدين من أهل البصرة يمضين معها إلى المدينة ، وأنزلها في دار وأكرمها .
وقتل ذلك اليوم طلحة بن عبيد اللّه القرشي التيمي ، قيل : رماه مروان بن الحكم . واللّه سبحانه أعلم ، مع أنّه كان معهم ومن حزبهم لا من حزب عليّ عليه السّلام ، لكن قيل : رماه من أجل ضغن كان في قلبه منه .
هامش
( 1 ) . التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة 2 : 706 .