اللّه عليه وآله مكانا نائيا ، وانقطع ارتباطه بعاصمة الاسلام ( المدينة ) ! !
( 1 ) ولقد كانت « تبوك » أبعد نقطة خرج إليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في جميع غزواته ، فكان يحدس - بقوة - أن تقوم القوى المضادّة للاسلام بقلب الأوضاع في غيابه ، ويجمعوا من يروا رأيهم ويذهب مذهبهم من شتى أنحاء الحجاز ، ويتحدوا لضرب الدولة الاسلامية والقضاء عليها من الداخل .
ولهذا - رغم أنه استخلف « محمّد بن مسلمة » على المدينة - قال للامام « علي بن أبي طالب » :
« أنت خليفتي في أهل بيتي ودار هجرتي وقومي .
يا علي إنّ المدينة لا تصلح إلّا بي وبك » .
( 2 ) ولقد أزعج بقاء عليّ عليه السّلام في المدينة ، المنافقين الذين كانوا يتربّصون بالاسلام الدوائر ، ويتحيّنون الفرصة ، ويفكرون في انقلاب في غيبة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لأنهم كانوا يعرفون أنهم لن يعودوا يستطيعون مع وجود عليّ عليه السّلام في المدينة ، ومراقبته الدقيقة لتحرّكاتهم ونشاطاتهم فعل أي شيء ممّا كانوا ينوون القيام به ، ولهذا أرجفوا به ، وبثّوا شائعات خبيثة حوله ، بغية إجباره على مغادرة المدينة فقالوا : ما خلّف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عليّا إلّا استثقالا له ، وتخفّفا منه ، أو : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله دعاه إلى الخروج لتبوك ، ولكن عليا امتنع من الخروج بحجّة الحرّ الشديد ، وبعد الطريق وإيثارا للدعة والراحة والرفاهية ! !
( 3 ) ولإبطال هذه الشائعة الخبيثة ، وتكذيب هذا الكلام ، أخذ علي عليه السّلام سلاحه ، وخرج حتى أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وهو نازل بالجرف ( وهو موضع على ثلاثة أميال من المدينة ) فقال :
« يا نبي اللّه ، زعم المنافقون أنّك إنّما خلّفتني أنّك استثقلتني وتخفّفت منّي » .
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حينئذ كلمته التاريخية الخالدة التي تعتبر
سيد المرسلين — صفحة 558
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٥٥٨