وآله بين الفينة والأخرى بأسئلة عويصة يشغلونه بها ، يظهرون بها - حسب تصورهم - أنهم يعرفون أمورا كثيرة وأنهم علماء ، وبذلك يضيّعون على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الوقت ، ويشغلونه عن مهامه الكبرى .
فكان تغيير القبلة واحدا من مظاهر الابتعاد عن اليهود واجتنابهم ، تماما مثل نسخ صوم يوم عاشوراء الذي تم لنفس هذا الغرض .
فقد كانت اليهود تصوم يوم عاشوراء قبل الاسلام ، فأمر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله المسلمون بأن يصوموا هذا اليوم أيضا ، ثم نسخ الأمر بصوم عاشوراء وفرض مكانه صوم شهر رمضان « 1 » .
( 1 ) وعلى كل حال فان الاسلام الذي يتفوق على جميع الأديان ، يجب أن تتجلى فيه هذه الحقيقة بحيث يغدو أمر تكامله وتفوقه باديا للعيان ، واضحا للجميع .
وفي هذه الحالة تصوّر بعض المسلمين أن ما أتوا به من صلاة وعبادة وهم متجهين إلى بيت المقدس كان باطلا إذ قالوا : كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى ، أو حال من مضى من أمواتنا وهم كانوا يصلون إلى بيت المقدس ؟ !
فنزل الوحي الإلهي يقول :
« وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ »
« 2 » .
ومع ملاحظة هذه الاعتبارات وبينما كان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله قد انتهى من الركعة الثانية من صلاة الظهر ، نزل عليه جبرئيل ، وأمره بأن يتوجه بالمصلّين معه حدب المسجد الحرام .
( 2 ) وجاء في بعض الأخبار أنّ جبرئيل أخذ بيد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وأداره نحو المسجد الحرام ، فتبعه الرجال والنساء الذين كانوا يأتمون به في
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 1 ص 273 .
( 2 ) البقرة : 143 . والمراد من الايمان هنا هو العمل وهو من الموارد التي استعمل فيها لفظ الايمان وأريد به العمل .