كان المتوكّل يقول : ويحكم ! قد أعياني أمر « ابن الرضا » « 1 » ؛
أبى أن يشرب معي ، أو ينادمني ، أو أجد منه فرصة في هذا . فقالوا له :
فإن لم تجد منه ، فهذا أخوه « موسى » قصّاف « 2 » عزّاف « 3 » ، يأكل ويشرب ويتعشّق .
قال : ابعثوا إليه فجيئوا به حتّى نموّه به على الناس ، ونقول : ابن الرضا .
فكتب إليه واشخص مكرّما ، وتلقّاه جميع بني هاشم والقوّاد والناس على أنّه إذا وافى أقطعه قطيعة « 4 » وبنى له فيها ، وحوّل الخمّارين والقيان إليه ، ووصله وبرّه ، وجعل له منزلا سريّا « 5 » حتّى يزوره هو فيه .
فلمّا وافى موسى ، تلقّاه أبو الحسن عليه السلام في « قنطرة وصيف » وهو موضع يتلقّى فيه القادمون ، فسلّم عليه ووفّاه حقّه ، ثمّ قال له : إنّ هذا الرجل قد أحضرك ليهتكك ، ويضع منك ، فلا تقرّ له أنّك شربت نبيذا قطّ .
فقال له موسى : فإذا كان دعاني إلى هذا فما حيلتي ؟
قال عليه السلام : فلا تضع من قدرك ، ولا تفعل فإنّما أراد هتكك ، فأبى عليه ، فكرّر عليه ، فلمّا رأى أنّه لا يجيب ، قال : أما أنّ هذا مجلس لا تجمع أنت وهو عليه أبدا .
فأقام ثلاث سنين يبكّر كلّ يوم ، فيقال له : قد تشاغل اليوم فرح . فيروح ؛
فيقال : قد سكر ، فبكّر . فيبكّر ، فيقال : شرب دواء .
فما زال على هذا ثلاث سنين حتّى قتل المتوكّل ، ولم يجتمع معه عليه .
الإرشاد للمفيد ، وإعلام الورى : روى الحسين بن الحسن ( مثله ) .
كشف الغمّة : عن أبي الطيّب يعقوب بن ياسر ( مثله ) . « 6 »
هامش
( 1 ) - المراد به هنا : الإمام الهادي عليه السلام وتقدّم كلامنا في معنى « ابن الرضا » وأنّه كان يطلق على الإمام الجواد عليه السلام ثمّ اطلق بعد ذلك على أحفاده كالهادي والعسكري عليهما السلام .
( 2 ) - القصف : الإقامة في الأكل والشرب واللهو .
( 3 ) - العازف : اللاعب بالمعازف أي آلات الطرب .
وعزّاف للمبالغة ، وكذا قصّاف .
( 4 ) - أي أعطاه أرضا .
( 5 ) - السريّ : الجيّد من كلّ شيء .
( 6 ) - 1 / 502 ح 8 عنه البحار : 50 / 158 ح 49 ، ومدينة المعاجز : 540 ح 10 . الإرشاد للمفيد : 373 ، عنه البحار المذكور ص 3 ح 6 .
إعلام الورى : 362 ، عنه إثبات الهداة : 6 / 217 ح 13 وعن الكافي . كشف الغمّة : 2 / 381 .