وقال المأمون لذلك الغلام : هات من ذلك الرمّان . وكان الرمّان في شجرة في بستان في دار الرضا عليه السلام ، فقطف منه ، ثمّ قال : اجلس ففتّه . ففتّ منه في جام ، وأمر بغسله ، ثمّ قال للرضا : مصّ منه شيئا ، فقال : حتّى يخرج أمير المؤمنين .
فقال : لا واللّه إلّا بحضرتي ، ولولا خوفي أن يرطّب معدتي لمصصته معك .
فمصّ منه ملاعق ، وخرج المأمون ، فما صلّيت العصر حتّى قام الرضا عليه السلام خمسين مجلسا ، فوجّه إليه المأمون : قد علمت أنّ هذه إفاقة وفتار « 1 » للفضل الذي في بدنك .
وزاد الأمر في الليل ، فأصبح عليه السلام ميّتا ، فكان آخر ما تكلّم به :
« قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ »
« 2 »
« وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً »
« 3 » . وبكّر المأمون من الغد ، فأمر بغسله وتكفينه ، ومشى خلف جنازته حافيا حاسرا يقول : يا أخي لقد ثلم الإسلام بموتك ، وغلب القدر تقديري فيك وشقّ لحد الرشيد فدفنه معه ، وقال : أرجو أن ينفعه اللّه تعالى بقربه . « 4 »
5 - الخرائج والجرائح : روي عن الحسن بن عباد - وكان كاتب الرضا عليه السلام - قال :
دخلت عليه وقد عزم المأمون بالمسير إلى بغداد ، فقال : يا بن عبّاد ما ندخل العراق ولا نراه . قال : فبكيت وقلت : فآيستني أن آتي أهلي وولدي .
قال عليه السلام : أمّا أنت فستدخلها ، وإنّما عنيت نفسي .
فاعتلّ وتوفّي بقرية من قرى طوس ، وقد كان تقدّم في وصيّته أن يحفر قبره ممّا يلي الحائط ، بينه وبين قبر هارون ثلاثة أذرع ، وقد كانوا حفروا ذلك الموضع لهارون ، فكسرت المعاول والمساحي ، فتركوه وحفروا حيث أمكن الحفر .
هامش
( 1 ) - « قوله : إفاقة وفتار ، يقال : فتر فتارا ، أي سكن بعد حدّة ، أي هذا موجب للإفاقة وسكون الحدّة والحرارة التي حصلت بسبب فضول الأخلاط في البدن ، وفي بعض النسخ : آفة وفتار للفصد الّذي في يديك ، أي هذه آفة حصلت بسبب فتور وضعف نشأ من الفصد » منه ره .
( 2 ) - آل عمران : 154 .
( 3 ) - الأحزاب : 38 .
( 4 ) - 2 / 240 ح 1 ، عنه البحار : 49 / 305 ح 14 .