والحمد للّه الذي أورث أهل بيته مواريث النبوّة ، واستودعهم العلم والحكمة ، وجعلهم معدن الإمامة والخلافة ، وأوجب ولايتهم ، وشرّف منزلتهم ، فأمر رسوله بمسألة امّته مودّتهم إذ يقول :
« قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى »
« 1 » .
وما وصفهم به من إذهاب الرجس عنهم ، وتطهيره إيّاهم في قوله :
« إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً »
« 2 » .
ثمّ إنّ المأمون برّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في عترته ، ووصل أرحام أهل بيته ، فردّ ألفتهم ، وجمع فرقتهم ، ورأب « 3 » صدعهم ، ورتق فتقهم ، وأذهب اللّه به الضغائن والإحن « 4 » .
بينهم ، وأسكن التناصر والتواصل والمحبّة والمودّة قلوبهم ، فأصبحت بيمنه وحفظه وبركته وبرّه وصلته أيديهم واحدة ، وكلمتهم جامعة ، وأهواؤهم متّفقة ، ورعى الحقوق لأهلها ، ووضع المواريث مواضعها ، وكافأ إحسان المحسنين ، وحفظ بلاء المبلين « 5 » ، وقرّب وباعد على الدين . ثمّ اختصّ بالتفضيل والتقديم والتشريف ، من قدّمته مساعيه ، فكان ذلك ذا الرئاستين « الفضل بن سهل » إذ رآه له مؤازرا ، وبحقّه قائما ، وبحجّته ناطقا ، ولنقبائه نقيبا ، ولخيوله قائدا ، ولحروبه مدبّرا ، ولرعيّته سائسا ، وإليه داعيا ، ولمن أجاب إلى طاعته مكافئا ، ولمن عند عنها مبائنا « 6 » ، وبنصرته متفرّدا « 7 » ، ولمرض القلوب والنيّات مداويا .
لم ينهه عن ذلك قلّة مال ولا عوز « 8 » رجال ، ولم يمل به طمع ، ولم يلفته « 9 » عن نيّته
هامش
( 1 ) - الشورى : 23 .
( 2 ) - الأحزاب : 33 .
( 3 ) - « توضيح : رأبت الإناء : أصلحته . ومنه قولهم : اللّهمّ ارأب بينهم أي ، أصلح » منه ره .
( 4 ) - « الإحن - بكسر الهمزة وفتح الحاء - : جمع الإحنة - بالكسر - وهي ، الحقد » منه ره .
( 5 ) - « حفظ بلاء المبلين ، البلاء : النعمة ، ومنه قول سيّد الساجدين عليه السلام : وأبلوا البلاء الحسن في نصره » منه ره .
( 6 ) - « ولمن عدل عنها منابذا » م . « ولمن عند عنها معاندا » خ ل .
( 7 ) - « منفردا » ع ، ب .
( 8 ) - « العوز : القلّة والفقر » منه ره .
( 9 ) - « يقال : لفته عن رأيه أي ، صرفه » منه ره .