جمعنا « 1 » يحيى بن أكثم القاضي ، قال : أمرني المأمون بإحضار جماعة من أهل الحديث ، وجماعة من أهل الكلام والنظر ، فجمعت له من الصنفين زهاء « 2 » أربعين رجلا ، ثمّ مضيت بهم ، فأمرتهم بالكينونة في مجلس الحاجب لاعلمه بمكانهم ، ففعلوا فأعلمته ، فأمرني بإدخالهم ففعلت ، فدخلوا وسلّموا .
فحدّثهم ساعة وآنسهم ، ثمّ قال : إنّي أريد أن أجعلكم بيني وبين اللّه تبارك وتعالى في يومي هذا حجّة ، فمن كان حاقنا « 3 » ، أو له حاجة ، فليقم إلى قضاء حاجته ، وانبسطوا وسلّوا « 4 » أخفافكم وضعوا أرديتكم .
ففعلوا ما أمروا به ، فقال : يا أيّها القوم ، إنّما استحضرتكم ، لأحتجّ بكم عند اللّه عزّ وجلّ ، فاتّقوا اللّه وانظروا لأنفسكم وإمامكم ، ولا تمنعكم جلالتي ومكاني من قول الحقّ حيث كان ، وردّ الباطل على من أتى به ، وأشفقوا على أنفسكم من النار ، وتقرّبوا إلى اللّه تعالى برضوانه ، وإيثار طاعته ، فما أحد تقرّب إلى مخلوق بمعصية الخالق إلّا سلّطه اللّه عليه . فناظروني بجميع عقولكم .
هامش
وما أثبتناه في المتن هو الصحيح ، وهو العلّامة الحافظ أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن محدّث البصرة ، حمّاد بن زيد بن درهم الأزديّ ، مولاهم البصريّ المالكيّ قاضي بغداد ، وصاحب التصانيف ، مولده سنة تسع وتسعين ومائة ، وتوفّي فجأة سنة اثنتين وثمانين ومائتين . وقد ذكر في ترجمته أنّه قال : أتيت يحيى بن أكثم وعنده قوم يتناظرون ، فلمّا رآني قال : قد جاءت المدينة . وأيضا روي عنه أنّه قال في حديث « من كنت مولاه » :
قد خاب وخسر من لم يكن عليّ مولاه .
راجع في ترجمته سير أعلام النبلاء : 13 / 341 ، تاريخ بغداد : 6 / 284 وغيره .
( 1 ) - « سمعنا » ب ، خ ل .
( 2 ) - « بيان : قال الجوهري قولهم : زهاء مائة ، أي قدر مائة » منه ره .
( 3 ) - قال في النهاية : 1 / 416 : « لا رأي لحاقن » هو الّذي حبس بوله ، كالحاقب للغائط .
( 4 ) - سلّ سلا الشيء من الشيء : اننزعه وأخرجه برفق .