وهو يأكل فقال : يا بشّار ، ادن فكل .
فقلت : هنّاك اللّه وجعلني فداك ، قد أخذتني الغيرة من شيء رأيته في طريقي ! أوجع قلبي ، وبلغ منّي ، فقال لي : بحقّي عليك لمّا دنوت فأكلت ؛
قال : فدنوت فأكلت ، فقال لي : حديثك ؟
قلت : رأيت جلوازا « 1 » يضرب رأس امرأة ، ويسوقها إلى الحبس وهي تنادي بأعلى صوتها : المستغاث باللّه ورسوله ، ولا يغيثها أحد .
قال : ولم فعل بها ذلك ؟ قال : سمعت الناس يقولون : إنّها عثرت ، فقالت :
« لعن اللّه ظالميك يا فاطمة » ، فارتكب منها ما ارتكب .
قال : فقطع الأكل ولم يزل يبكي حتّى ابتلّ منديله ولحيته وصدره بالدموع « 2 » ؛
ثمّ قال : يا بشّار ، قم بنا إلى مسجد السهلة ، فندعو اللّه عزّ وجلّ ونسأله خلاص هذه المرأة ؛
قال : ووجّه بعض الشيعة إلى باب السلطان ، وتقدّم إليه بأن لا يبرح إلى أن يأتيه رسوله ، فإن حدث بالمرأة حدث صار إلينا حيث كنّا .
قال : فصرنا إلى مسجد السهلة ، وصلّى كلّ واحد منّا ركعتين ، ثمّ رفع الصادق عليه السّلام يده إلى السماء وقال : أنت اللّه الّذي لا إله إلّا أنت - إلى آخر الدعاء - قال : فخرّ ساجدا لا أسمع منه إلّا النفس ثمّ رفع رأسه فقال : قم فقد أطلقت المرأة .
قال : فخرجنا جميعا ، فبينما نحن في بعض الطريق إذ لحق بنا الرجل الّذي وجّهناه إلى باب السلطان ، فقال له عليه السّلام : ما الخبر ؟ قال : قد اطلق عنها .
هامش
( 1 ) الجلواز : الشرطي الّذي يحفّ في الذهاب والمجيء بين يدي الأمير ، جمعه جلاوزة .
( 2 ) قال الشيخ عبّاس القمّي في كتابه بيت الأحزان ص 118 :
فإذا كان حال الصادق عليه السّلام كذلك عند استماع واقعة جرت على امرأة من شيعة فاطمة عليها السّلام ؛
فكيف يكون حاله عليه السّلام إذا حكى ما هو جرى على امّه فاطمة عليها السّلام ؟ ويقول : ثمّ لطمها فكأنّي أنظر إلى قرط في اذنها حين نقب - أي كسر - من اللطم ؛
وممّا ذكرنا ظهر شدّة مصيبة أمير المؤمنين عليه السّلام وعظم صبره . . . راجع بقيّة كلامه رحمه اللّه ، واغتنم .