« إنّكم ترون ربّكم كما ترون القمر في ليلة البدر لا تضامون « 1 » في رؤيته » لأنّه قال قولا يحتمل التأويل ، ولم يفصح به ، وهو لا يقول : ترونه بعيونكم لا بقلوبكم .
ولمّا كان الخبر يحتمل التأويل ، ولم يكن مفصحا ، علمنا أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لم يعن به الرؤية الّتي ادّعيتموها ، وهذا اختلاط شديد ، لأنّ أكثر الكلام في القرآن وأخبار النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بلسان عربيّ ، ومخاطبة لقوم فصحاء ، على أحوال تدلّ على مراد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ؛ وربّما وكّل علم المعنى إلى العقول لأن يتأمّل الكلام ؛ ولا أعلم عبارة عن معنى فرض الطاعة أوكد من قول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم » ، ثمّ قوله : « فمن كنت مولاه فعليّ مولاه » .
لأنّه كلام مرتّب على إقرار المسلمين للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، يعني الطاعة ، وأنّه أولى بهم من أنفسهم ، ثمّ قال : « فمن كنت أولى به من نفسه فعليّ أولى به من نفسه » لأنّ معنى « فمن كنت مولاه » هو « فمن كنت أولى به من نفسه » لأنّها عبارة عن ذلك بعينه ، إذ كان لا يجوز في اللغة غير ذلك .
ألا ترى أنّ قائلا لو قال لجماعة :
أليس هذا المتاع بيننا نبيعه ونقتسم الربح والوضيعة فيه ؟ فقالوا له : نعم .
فقال : فمن كنت شريكه فزيد شريكه .
كان كلاما صحيحا ، والعلّة في ذلك أنّ الشركة هي عبارة عن معنى قول القائل :
هذا المتاع بيننا نقتسم الربح والوضيعة ؛ فلذلك صحّ بعده قول القائل : فمن كنت شريكه فزيد شريكه ؛ وكذا صحّ - بعد قول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله :
« ألست أولى بكم من أنفسكم » ؟ - « فمن كنت مولاه فعليّ مولاه » لأنّ مولاه عبارة عن قوله : « ألست أولى بكم من أنفسكم » ؟ وإلّا فمتى لم تكن اللفظة الّتي جاءت مع الفاء [ الأولى ] عبارة عن المعنى
هامش
( 1 ) أي لا تقهرون .