فهذه الزيادة أوضحت بلا شكّ أنّ هذا اللفظ العام هو الذي صدر منه صلى اللّه عليه وسلم ورآه الأعرابيّ بعد إسلامه أمرا مقتضيا للامتثال فلم يسعه إلّا امتثاله .
ولو كان الجواب باللفظ الأوّل لم يكن فيه أمر بشيء البتّة ؛ فعلم من هذا أنّ اللفظ الأوّل من تصرّف الراوي رواه بالمعنى على حسب فهمه .
وقد وقع في الصحيحين روايات كثيرة من هذا النمط فيها لفظ تصرّف فيه الراوي ؛ وغيره أثبت منه ؛ كحديث مسلم عن أنس في نفي قراءة البسملة ؛ وقد أعلّه الإمام الشافعي رضي اللّه عنه بذلك ؛ وقال : إنّ الثابت من طريق آخر نفي سماعها ففهم منه الراوي نفي قراءتها فرواه بالمعنى على ما فهمه فأخطأ .
ونحن أجبنا عن حديث مسلم في هذا المقام بنظير ما أجاب به إمامنا الشافعي رضي اللّه عنه ؛ عن حديث مسلم في نفي قراءة البسملة .
ثمّ لو فرض اتّفاق الرواة على اللفظ الأوّل كان معارضا بما تقدّم من الأدلّة ؛ والحديث الصحيح إذا عارضه أدلّة أخرى هي أرجح منه وجب تأويله وتقديم تلك الأدلّة عليه ؛ كما هو مقرّر في الأصول .
وبهذا الجواب الأخير يجاب عن حديث عدم الإذن في الاستغفار لأمّه ؛ على إنّه يمكن فيه دعوى عدم الملازمة ؛ بدليل أنّه كان في صدر الإسلام ممنوعا من الصلاة على من عليه دين وهو مسلم ؟ فلعلّه كانت عليها تبعات غير الكفر ؛ فمنع من الاستغفار لها بسببها ؛ والجواب الأوّل أقعد ؟ وهذا تأويل في الجملة .
ثمّ رأيت طريقا أخرى للحديث ؟ مثل لفظ رواية معمر ؛ وأزيد وضوحا ؛ وذلك انّه صرّح فيه بأنّ السائل أراد أن يسأل عن أبيه صلى اللّه عليه وسلم فعدل عن ذلك تجمّلا وتأدّبا :
فأخرج الحاكم في المستدرك - وصحّحه - عن لقيط بن عامر أنّه خرج وافدا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومعه نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق ؛ فقال : قدمنا المدينة لانسلاخ [ شهر ] رجب ؛ فصلّينا معه صلاة الغداة ؛ فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الناس خطيبا - فذكر الحديث إلى أن قال : - فقلت : يا رسول اللّه هل أحد ممن مضى منّا في جاهليّة من خير ؟
فقال رجل من عرض قريش : ( إنّ أباك المنتفق في النار ) فكأنّه وقع حرّ بين جلد وجهي ولحمي
العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى — صفحة 327
مساهمون: أحمد بن محمد بن علي العاصمي
ص٣٢٧