تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سيرة الأئمة الاثني عشر ( ع ) — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
ولعل فيما رواه الرواة عن الحوار الذي جرى بينه وبين امام المذهب الحنفي أبي حنيفة وشهادة أبي حنيفة له بعد نهاية الحوار وهو يوم ذاك لم يتخط سن الصبا ما يشير إلى ذلك ، وحسبما أظن ان أبا حنيفة وهو جالس ينتظر الاذن بالدخول على الصادق . لقد خرج عليه الإمام موسى بن جعفر وهو يوم ذاك في سن الصبا فأراد أن يستحكيه أو يداعبه فافتتح الحديث معه بالسؤال الأول ، وحينما رأى العمق والشمول في جوابه تغيرت نظرته إليه فوجه إليه السؤال الثاني وكان من اعقد المسائل ، والصراع فيه يوم ذاك على أشده بين الفقهاء والمتكلمين وغيرهم ، وقد روى الرواة هذا الحوار بينهما على النحو التالي : فقد جاء في تحف العقول للحسن بن علي بن شعبة وغيرها ان أبا حنيفة قال : حججت في أيام أبي عبد اللّه الصادق ( ع ) فلما اتيت المدينة دخلت داره وجلست في الدهليز انتظر اذنه إذ خرج صبي فقلت : اين يحدث الغريب إذا أراد ذلك ؟ فنظر إلي ثم قال : يتوارى خلف الجدار ويتوقى أعين الجار وشطوط الأنهار ومساقط الثمار وأقنية الدور والطرق النافذة والمساجد ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ويرفع ثوبه ويضع بعد ذلك حيث شاء ، ومضى أبو حنيفة يقول : فلما سمعت منه ذلك نبل في عيني وعظم في قلبي ؛ فقلت له : جعلت فداك ممن المعصية ؟ فنظر إلي وقال : اجلس حتى أخبرك ، فجلست مصغيا إليه ، فقال : ان المعصية لا بد أن تكون اما من العبد أو من ربه أو منهما جميعا ، فإن كانت من اللّه فهو اعدل وأنصف من أن يظلم عبده ويأخذه بما لم يفعله ، واما أن تكون منه ومن العبد وهو أقوى الشريكين ، والقوي أولى بانصاف عبده الضعيف والعفو عنه وان كانت من العبد وحده وهو كذلك فعليه وقع الأمر وإليه توجه النهي فإن عفا عنه فبكرمه وجوده ، وان عاقبه فبذنبه وجريرته ، وأضاف إلى ذلك الراوي ان أبا حنيفة قال : فاستغنيت بما سمعت من الغلام وانصرفت بدون أن القى أبا عبد اللّه الصادق وقلت ذرية بعضها من بعض واللّه سميع عليم .