لقد ماتت خديجة وغابت عن دنيا الناس ، ولكنها ظلت ماثلة بين عيني زوجها العظيم الوفي ودخلت في حياته من بعدها نساء عديدات حسبما يحدث بذلك التاريخ ، ولكن مكانها من قلبه وفي دنياه ظل خاليا لم تشغله امرأة غيرها ، ولم تستطع واحدة منهن أن تحتل مكانها وأن تفلح في ابعاد طيفها من قلبه ونفسه الذي كان يتبعه حيث يسير . وشهد بيته عائشة بنت أبي بكر وهي في مطلع صباها ونضرة شبابها تستبد بها الغيرة من خديجة التي سبقتها إلى قلبه ، لأنه ظل يردد اسمها ووفاءها في كل صباح ومساء .
لقد وفدت على المدينة أختها هالة ، فما أن سمع محمد صوتها حتى تذكر صوت أختها الراحلة ، فخفق لها قلبه وصاح مرحبا بك يا هالة . فلم تملك عائشة نفسها حتى هتفت به تقول .
ما زلت تذكر بحسرة وألم عجوزا من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت من عدة سنين وقد أبدلك اللّه خيرا منها « 1 » .
ومع أنه كان واسع الصدر صبورا على الأذى لا ينفعل لكلمات عابرة من هذا النوع ، بدا عليه الانفعال وتغير لونه والتفت إليها وقد استولى عليه الغضب وقال :
واللّه ما أبدلني اللّه خيرا منها آمنت بي حين كفر الناس ، وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني اللّه منها الولد دون غيرها من النساء « 2 » .
فأمسكت عائشة عن الكلام وهي تقول :
واللّه لا أذكرها بعد اليوم .
ولكنها الغيرة كانت تستبد بها في أكثر الأحيان ، فلا تملك نفسها إذا ذكرها النبي ( ص ) لمناسبة من المناسبات وما أكثر المناسبات التي كانت تذكره بها ، فلا تملك نفسها أن تنال منها وتقول :
هامش
( 1 ) المحب الطبري والسمط الثمين .
( 2 ) المصدر السابق والإستيعاب لابن عبد البر .