فأخذ النجاشي عودا من الأرض ، ثم قال : واللّه ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود ، فتناخرت بطارقته ، فقال : وإن نخرتم واللّه .
ثم قال للمسلمين : اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي - والشيوم : الآمنون بلسان الحبشة - من سبكم غرم ، من سبكم غرم ، من سبكم غرم ، ما أحب أن لي دبرا من ذهب وأني آذيت رجلا منكم - والدبر الجبل بلسان الحبشة .
ثم قال لحاشيته : ردّوا عليهما هداياهما ، فلا حاجة لي بها ، فو اللّه ما أخذ اللّه مني الرشوة حين رد علي ملكي ، فاخذ الرشوة فيه ، وما أطاع الناس فيّ فأطيعهم فيه .
قالت أم سلمة التي تروي هذه القصة : فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءوا به ، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار « 1 » .
هذه رواية ابن إسحاق ، وذكر غيره أن وفادة عمرو بن العاص إلى النجاشي كانت بعد بدر ، وجمع بعضهم بأن الوفادة كانت مرتين « 2 » لكن الأسئلة والأجوبة التي ذكروا أنها دارت بين النجاشي وجعفر في الوفادة الثانية هي نفس الأسئلة والأجوبة التي ذكرها ابن إسحاق تقريبا ، ثم إن تلك الأسئلة تدل لفحواها أنها كانت في أول مرافعة قدمت إلى النجاشي .
أخفقت حيلة المشركين ، وفشلت مكيدتهم ، وعرفوا أنهم لا يشيعون ضغينتهم إلا في حدود سلطانهم ، ونشأت فيهم من أجل ذلك فكرة رهيبة . رأوا أن التفصي عن هذه ( الداهية ) لا يمكن إلا بكف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن دعوته تماما ، وإلا فبإعدامه ، ولكن كيف السبيل إلى ذلك وأبو طالب يحوطه ويحول بينه وبينهم ؟ رأوا أن يواجهوا أبا طالب في هذا الصدد .
قريش يهددون أبا طالب
جاءت سادات قريش إلى أبي طالب فقالوا له : يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا . وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه ، وإنا واللّه لا نصبر على هذا ، من شتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وعيب آلهتنا ، حتى تكفه عنا ، أو ننازله وإياك في ذلك ، حتى يهلك أحد الفريقين .
هامش
( 1 ) ابن هشام ملخصا 1 / 334 ، 335 ، 336 ، 337 ، 338 .
( 2 ) مختصر السيرة للشيخ عبد اللّه النجدي ص 96 ، 97 ، 98 ، وفي تلك الصفحات تفصيل الأسئلة والأجوبة .