اتخذوا هذا القرار وصمموا على تنفيذه . أما بالنسبة إلى المسلمين - ولا سيما المستضعفين منهم - فكان ذلك سهلا جدا . وأما بالنسبة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإنه كان رجلا شهما وقورا ذا شخصية فذة ، تتعاظمه نفوس الأعداء والأصدقاء ، بحيث لا يقابل مثلها إلا بالإجلال والتشريف ، ولا يجترئ على اقتراف الدنايا والرذائل ضده إلا أرذال الناس وسفهاؤهم ، ومع ذلك كان في منعة أبي طالب ، وأبو طالب من رجال مكة المعدودين ، كان معظما في أصله ، معظما بين الناس ، فما يجسر أحد على إخفار ذمته واستباحة بيضته ، إن هذا الوضع أقلق قريشا وأقامهم وأقعدهم ، ولكن إلام هذا الصبر الطويل أمام دعوة تتشوف إلى القضاء على زعامتهم الدينية ، وصدارتهم الدنيوية .
وبدءوا الاعتدءات ضد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وعلى رأسهم أبو لهب ، فقد اتخذ موقفه هذا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منذ اليوم الأول قبل أن تهم قريش بذلك . وقد أسلفنا ما فعل النبي صلى اللّه عليه وسلم في مجلس بني هاشم ، وما فعل على الصفا ، وقد ورد في بعض الروايات أنه - حينما كان على الصفا - أخذ حجرا ليضرب به النبي صلى اللّه عليه وسلم « 1 » .
وكان أبو لهب قد زوج ولديه عتبة وعتيبة ببنتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رقية وأم كلثوم قبل البعثة ، فلما كانت البعثة أمرهما بتطليقهما بعنف وشدة ، حتى طلقاهما « 2 » .
ولما مات عبد اللّه - الابن الثاني لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - استبشر أبو لهب ، وهرول إلى رفقائه يبشرهم بأن محمدا صار أبتر « 3 » .
وقد أسلفنا أن أبا لهب كان يجول خلف النبي صلى اللّه عليه وسلم في موسم الحج والأسواق لتكذيبه ، وقد روى طارق بن عبد اللّه المحاربي ما يفيد أنه كان لا يقتصر على التكذيب ، بل كان يضربه بالحجر حتى يدمي عقباه « 4 » .
وكانت امرأة أبي لهب - أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان - لا تقل عن زوجها في عداوة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقد كانت تحمل الشوك وتضعه في طريق النبي صلى اللّه عليه وسلم وعلى بابه ليلا ، وكانت امرأة سليطة تبسط فيه لسانها ، وتطيل عليه الافتراء والدس ، وتؤجج نار الفتنة ، وتثير حربا شعواء على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولذلك وصفها القرآن بحمالة الحطب .
ولما سمعت ما نزل فيه وفي زوجها من القرآن أتت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو جالس في
هامش
( 1 ) روى ذلك الترمذي .
( 2 ) في ظلال القرآن 30 / 282 ، تفهيم القرآن 6 / 522 .
( 3 ) تفهيم القرآن 6 / 490 .
( 4 ) جامع الترمذي .