وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما بلغنا حزنا عدا « 1 » منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال ، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل فقال :
يا محمد إنك رسول اللّه حقا ، فيسكن لذلك جأشه ، وتقر نفسه ، فيرجع ، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك ، فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك « 2 » .
جبريل ينزل بالوحي مرة ثانية
قال ابن حجر : وكان ذلك - أن انقطاع الوحي أياما - ليذهب ما كان صلى اللّه عليه وسلم وجده من الروع ، وليحصل له التشوف إلى العود « 3 » ، فلما تقلصت ظلال الحيرة ، وثبتت أعلام الحقيقة ، وعرف صلى اللّه عليه وسلم معرفة اليقين أنه أضحى نبيا للّه الكبير المتعال ، وأن ما جاءه سفير الوحي ينقل إليه خبر السماء وصار تشوفه وارتقابه لمجيء الوحي سببا في ثباته واحتماله عندما يعود ، وجاءه جبريل للمرة الثانية . روى البخاري عن جابر بن عبد اللّه أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي ، قال :
« فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء ، فرفعت بصري قبل السماء ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض ، فجثثت منه حتى هويت إلى الأرض ، فجئت أهلي فقلت : زملوني زملوني ، فزملوني ، فأنزل اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
إلى قوله :
فَاهْجُرْ
، ثم حمي الوحي وتتابع » « 4 » .
استطراد في بيان أقسام الوحي
قبل أن نأخذ في تفصيل حياة الرسالة والنبوة ، نرى أن نتعرف أقسام الوحي الذي هو مصدر الرسالة ومدد الدعوة . قال ابن القيم - وهو يذكر مراتب الوحي :
إحداها : الرؤيا الصادقة
، وكان مبدأ وحيه صلى اللّه عليه وسلم .
الثانية : ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه
، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها . فاتقوا اللّه ، وأجملوا
هامش
( 1 ) بالعين المهلة من العدو ، وهو الذهاب بسرعة ، وفي بعض النسخ « غدا » بالغين المعجمة .
( 2 ) صحيح البخاري التعبير باب أول ما بدئ به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة 2 / 34 .
( 3 ) فتح الباري 1 / 27 .
( 4 ) صحيح البخاري كتاب التفسير باب والرجز فاهجر 2 / 733 .