روى البخاري عن نافع أن ابن عمر أخبره أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل ، فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ، ليس منها شيء في دبره . يعني ظهره « 1 » .
وفي رواية أخرى قال ابن عمر : كنت فيهم في تلك الغزوة ، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى ، ووجدنا ما في جسده بضعا وتسعين من طعنة ورمية « 2 » . وفي رواية العمري عن نافع زيادة : ( فوجدنا ذلك فيما أقبل من جسده ) « 3 » .
ولما قتل جعفر بعد القتال بمثل هذه الضراوة والبسالة أخذ الراية عبد اللّه بن رواحة ، وتقدم بها ، وهو على فرسه ، فجعل يستنزل نفسه ، ويتردد بعض التردد حتى حاد حيدة ، ثم قال :
أقسمت يا نفس لتنزلنه * كارهة أو لتطاوعنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنه * ما لي أراك تكرهين الجنة
ثم نزل ، فأتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال : شد بهذا صلبك ، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت ، فأخذه من يده فانتهس منه نهسة ، ثم ألقاه من يده ثم أخذ سيفه فتقدم ، فقاتل حتى قتل .
الراية إلى سيف من سيوف اللّه
وحينئذ تقدم رجل من بني عجلان - اسمه ثابت بن أرقم - فأخذ الراية وقال : يا معشر المسلمين ، اصطلحوا على رجل منكم ، قالوا : أنت . قال : ما أنا بفاعل ، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد ، فلما أخذ الراية قاتل قتالا مريرا ، فقد روى البخاري عن خالد بن الوليد قال : لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف ، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية « 4 » . وفي لفظ آخر : لقد دق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف ، وصبرت في يدي صفيحة لي يمانية « 5 » .
وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم مؤتة - مخبرا بالوحي ، قبل أن يأتي إلى الناس الخبر من
هامش
( 1 ) صحيح البخاري ، باب غزوة مؤتة من أرض الشام 2 / 611 .
( 2 ) نفس المصدر 2 / 611 .
( 3 ) انظر فتح الباري 7 / 512 ، وظاهر الحديثين التخالف في العدد ، وجمع بأن الزيادة باعتبار ما وجد فيه من رمي السهام ، انظر المصدر المذكور .
( 4 ) صحيح البخاري باب غزوة مؤتة من أرض الشام 2 / 611 .
( 5 ) نفس المصدر 2 / 611 .