فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا ، صار جمع من الفريقين فريسة له ، ثم تداعوا إلى الصلح فحكموا يعمر بن عوف أحد بني بكر ، فقضى بأن قصيا أولى بالكعبة وبأمر مكة من خزاعة ، وكل دم أصابه قصي منهم موضوع بشدخة تحت قدميه ، وما أصابت خزاعة وبنو بكر ففيه الدية ، وأن يخلي بين قصي وبين الكعبة - فسمي يعمر يومئذ الشداخ « 1 » - وكان استيلاء قصي على مكة والبيت في أواسط القرن الخامس للميلاد سنة 440 م « 2 » وبذلك صارت لقصي ، ثم لقريش السيادة التامة ، والأمر النافذ في مكة ، وصار الرئيس الديني لذلك البيت الذي كانت تفد إليه العرب من جميع أنحاء الجزيرة .
ومما فعله قصي بمكة أنه جمع قومه من منازلهم إلى مكة ، وقطعها رباعا بين قومه ، وأنزل كل قوم من قريش منازلهم التي أصبحوا عليها ، وأقر النسأة وآل صفوان ، وعدوان ومرة بن عوف على ما كانوا عليه من المناصب ؛ لأنه كان يراه دينا في نفسه لا ينبغي تغييره « 3 » .
ومن مآثر قصي أنه أسس دار الندوة بالجانب الشمالي من مسجد الكعبة ، وجعل بابها إلى المسجد ، وكانت مجمع قريش ، وفيها تفصل مهام أمورها ، ولهذه الدار فضل على قريش ؛ لأنها ضمنت اجتماع الكلمة وفض المشاكل بالحسنى « 4 » .
[ رئاسة قصي ]
وكان لقصي من مظاهر الرئاسة والتشريف :
1 - رئاسة دار الندوة
، ففيها كانوا يتشاورون فيما نزل بهم من جسام الأمور ، ويزوجون فيها بناتهم .
2 - اللواء
، فكانت لا تعقد راية الحرب إلا بيده .
3 - الحجابة
وهي حجابة الكعبة ، لا يفتح بابها إلا هو ، وهو الذي يلي أمر خدمتها وسدانتها .
4 - سقاية الحاج
، وهي أنهم كانوا يملئون للحجاج حياضا من الماء ، يحلونها بشيء من التمر والزبيب ، فيشرب الناس منها إذا وردوا مكة « 5 » .
هامش
( 1 ) ابن هشام 1 / 123 - 124 .
( 2 ) قلب جزيرة العرب ص 232 .
( 3 ) ابن هشام 1 / 124 - 125 .
( 4 ) ابن هشام 1 / 125 ، محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية للخضري 1 / 36 ، وأخبار الكرام ص 152 .
( 5 ) محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية للخضري 1 / 36 .