وقدم الأسارى بعد بلوغه المدينة بيوم ، فقسمهم على أصحابه ، وأوصى بهم خيرا ، فكان الصحابة يأكلون التمر ، ويقدمون لأسرائهم الخبز عملا بوصية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
قضية الأسارى :
ولما بلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة استشار أصحابه في الأسارى ، فقال أبو بكر :
يا رسول اللّه هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان ، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية ، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار ، وعسى أن يهداهم اللّه ، فيكونوا لنا عضدا .
فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما ترى يا ابن الخطاب ؟ » قال : قلت : واللّه ما أرى ما رأى أبو بكر ، ولكن أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه ، وتمكن عليا من عقيل بن أبي طالب فيضرب عنقه ، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه ، حتى يعلم اللّه أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين ، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم .
فهوى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما قال أبو بكر ، ولم يهو ما قلت ، وأخذ منهم الفداء ، فلما كان من الغد قال عمر : فغدوت إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وأبي بكر - وهما يبكيان - فقلت يا رسول اللّه أخبرني ما يبكيك أنت وصاحبك ؟ فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « للذي عرض عليّ أصحابك : من أخذهم الفداء ، فقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة - شجرة قريبة - « 1 » » .
وأنزل اللّه تعالى :
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ، تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
[ الأنفال : 67 ، 68 ] .
والكتاب الذي سبق من اللّه هو قوله تعالى :
فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً
[ محمد : 4 ] ففيه الإذن بأخذ الفدية من الأسارى ولذلك لم يعذبوا ، وإنما نزل العتاب لأنهم أسروا الكفار قبل أن يثخنوا في الأرض ، ثم إنهم قبلوا الفداء من أولئك المجرمين الذين لم يكونوا أسرى حرب فقط ، بل كانوا أكابر مجرمي الحرب الذين لا يتركهم قانون الحرب الحديث إلا ويحاكمهم ، ولا يكون الحكم في الغالب إلا بالإعدام أو بالحبس حتى الموت .
واستقر الأمر على رأي الصديق فأخذ منهم الفداء ، وكان الفداء من أربعة آلاف
هامش
( 1 ) تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 36 .